لماذا إيران في لبنان؟ حين تُعامل الدولة كساحة

ليست زيارة وزير خارجية إيران إلى بيروت حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل مرآة لعطبٍ أعمق في فكرة الدولة. حين لا تكون دولة، تصبح ساحة؛ وحين تصبح ساحة، يأتي من يعتقد أن له حق الكلام والضغط والابتسام.
لماذا إيران في لبنان؟
ماذا يحمل عباس عراقجي إلى بيروت؟
ولماذا يأتي أصلاً؟
بأي صفة، وبأي حق، وبأي وهم يعتقد أن هذا البلد ما زال ساحة مفتوحة لخطابه؟
لغة ناعمة في العلن، ويدٌ خفيّة على زناد الفوضى.
وفد اقتصادي… كأن المشكلة اقتصادية
وزير الخارجية الإيراني يصل بيروت مرفقاً بوفد اقتصادي، كأن الاقتصاد هو ما ينقصنا من إيران. كأن مشكلة لبنان كانت يوماً نقصاً في الخبرات الآتية من دولةٍ تأكل النار شوارع مدنها، ويشرب شعبها العطش، ويُقمع بالرصاص الحي باسم حكمٍ «شرعي» حديدي، لم يعد يملك من الشرعية سوى السلاح.
ما تركه في بلاده… وما جاء به إلينا
عراقجي ترك في بلاده شعباً يصرخ؛ نساءً يُضربن بجرم التحرّر، ورجالاً يُقتلون لأنهم طالبوا بالماء والحياة. تُقطع شبكة الإنترنت كي لا يرى العالم المجزرة، ويُعزل الناس عن العالم ليُقتلوا بصمت.
ترك كل هذا، وجاء إلى لبنان… وابتسم.
هل أتى ببعض الحلول؟
أم ببعض الأوهام؟
أم بوقاحة الضغط المعهودة؟
الرسالة الضمنية واضحة: «أنا هنا لأنني أستطيع أن أشعل، وأستطيع أن أهدّئ. وأنا من يقرّر متى يختنق هذا البلد، ومتى يُترك ليلتقط أنفاسه»
ابتسامة لم تمرّ عابرة
في الصورة التي ظهر فيها الرجلان معاً، بدا عراقجي ضيفاً لطيفاً، وبدا وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي بابتسامة عريضة، تخون الوجوم الذي كان يلبسه سابقاً.
هذه الابتسامة لم تمرّ عابرة. لم تكن بروتوكولاً بريئاً. كانت ثقيلة، مستفزّة، وغريبة على شريحة واسعة من اللبنانيين الذين لم يعودوا يرون في إيران حليفاً، بل دولة مارست علينا الظلم ثم طالبتنا بالامتنان.
الموقف الغائب: إنساني قبل أن يكون سياسيّاً
كان الأجدر بالحكومة اللبنانية أن تتّخذ موقفاً؛ ليس سياسياً حتى، بل إنسانياً. كلمة واحدة تضامن مع الشعب الإيراني الذي يُسحق في الشوارع، ويُطلق عليه الرصاص الحي، ويُعزل عن العالم كي يُقتل بصمت.
لكن الصمت كان الخيار. والابتسامة كانت الرسالة.
لماذا هذه الابتسامة غير مقبولة؟
وجه رجي المبتسم اليوم غير مقبول، لأنه تجاهل عمداً أن إيران ليست مجرّد دولة «صديقة» تزور عاصمتنا، بل لاعب دموي في الداخل اللبناني؛ مسؤول عن تعطيل دولتنا، وتغذية انقسامنا، وربط مصيرنا بمصير مشروع لا يشبهنا ولا يشبه أحلامنا.
غضب لم يعد أيديولوجياً
الغضب اللبناني من إيران لم يعد أيديولوجياً. هو غضب ناتج عن تجربة. غضب شعب دُفع إلى الحافة، ثم طُلب منه أن يصفّق.
لماذا إيران في لبنان؟
لأننا، حتى الآن، لم نقرّر أن نكون دولة. وحين لا تكون دولة، يأتيك من يعتبرك ساحة.




