بين الوصاية الخارجية وصمت الداخل: لبنان في مهب المعارك العبثية

يواجه لبنان اليوم واحدة من أخطر أزماته الوجودية، حيث تتشابك خيوط الأجندات الإقليمية مع الحسابات السياسية الداخلية. وفي ظل هذا المشهد القاتم، تبرز تساؤلات جوهرية حول ثمن الارتهان للخارج، ودور القيادات التاريخية في لجم الانهيار أو الاستمرار في تغطيته، بينما يدفع المواطن اللبناني -لا سيما في الجنوب- ضريبة الدماء والنزوح من أمنه ولقمة عيشه.
إيران ولبنان: المتراس والقرار المصادر
تتمسك إيران بذراعها في لبنان وتصر على إبقائه في واجهة المعركة؛ فهي لا يعنيها دمار البلد، ولا عداد الموت اليومي، ولا مئات آلاف النازحين والمشردين. فلبنان بالنسبة لها مجرد متراس يُستخدم ولا يُحسب حتى ضمن الخسائر. والمشكلة ليست هنا فقط، بل في حزب سلم قراره بالكامل، حزب منصاع حتى العظم، ولو كان الثمن بلده وناسه ولقمة عيش بيئته.
غرف القيادة المكيفة مقابل القرى الممحاة
ومن المؤلم أكثر أن تُدار هذه الحرب من غرف مكيفة في بيروت، حيث يقرر قادة إيرانيون الأوامر، وتُعطى الأوامر لإطلاق الصواريخ. وفي المقابل، تُحيى المأساة على الأرض: قرى تُمحى، وعائلات تُهجر، وبلد يُستنزف. إن إيران لا تؤثر على هذا الحزب بل تمتلكه، فهو مشروعها وهي التي تبنيه، وتموله، وتحركه.
من المؤلم أن تُدار هذه الحرب من غرف مكيفة في بيروت، حيث يقرر قادة إيرانيون الأوامر، وتُعطى الأوامر لإطلاق الصواريخ
موقف نبيه بري: من التغطية إلى الشراكة
أما نبيه بري، الذي أمسك لسنوات طويلة بثنائية القوة والسلطة، فلا يمكن إلا أن يكون عارفاً بكل هذه التركيبة، ومع ذلك استمر في تغطيتها. اليوم، وبعد أن سقطت كل الأقنعة، وبعد أن أعلن الحزب بنفسه ارتباطه وخياراته، لم يعد الصمت موقفاً بل شراكة. فماذا ينتظر رئيس مجلس النواب؟ ماذا ينتظر ليرفع غطاء السلطة ولينقذ ما تبقى من الناس، خصوصاً في الجنوب، من هذا المسار المفتوح على الموت؟
إرث الصدر ومعاناة “الأخوة”
جمهور (الحركة) الذي لطالما ناداه بلقب (الأخ)، والذي رأى فيه امتداداً لإرث الإمام موسى الصدر، أين هو اليوم من معاناته؟ وأين هو من ناس باتوا يفترشون الأرصفة بعدما طُلب منهم يوماً أن يفترشوا تراب الجنوب ففعلوا؟ نبيه بري بخبرته الطويلة يعرف تماماً متى تكون اللحظة فاصلة، لكن هذا الانتظار لم يعد مفهوماً، بل أصبح مثيراً للريبة ويفتح الباب على كل الشكوك.
إقرأ أيضاً: صناعة “العدو الداخلي”: هروب الحزب من المسؤولية بالترهيب




