شظية الذاكرة: زجاج الجنوب يختصر الحكاية

بين طيات الستائر الناجية من ركام الجنوب، تمردت قطعة زجاج صغيرة ورفضت الرحيل مع بقايا الحطام. هي اليوم ليست مجرد شظية، بل شاهدٌ حيّ التصق بصاحبه لينزح معه، حاملاً تفاصيل بيتٍ لم يبقَ منه سوى الوجع.
تمرد الركام والالتصاق بالهوية
كانت قطعة زجاج صغيرة، عالقةً بعناد بين خيوط قماش الستائر، وذلك في أعقاب ورشة إزالة الركام من منزلي في الجنوب. ظهرت تلك القطعة وكأنها تمردت على واقعها، رافضةً أن تُجرف مع الحطام أو تغادر المكان كبقايا لا قيمة لها. حملتها بيدي، قلبتها بين أصابعي، وبدلاً من أن ألقي بها بعيداً، احتفظت بها في حقيبتي ثم غابت عن بالي مع مرور الوقت. واليوم، وبينما كنت أرتب بعض أغراضي، وجدتها مختبئة في جيب الحقيبة؛ حملتها وتأملتها طويلاً، ثم أطبقت قبضة يدي عليها بقوة، وكأنني أقبض على ما تبقى من عمري وهويتي هناك.
من شباك الحياة إلى مرآة النكبة
ربما كانت هذه القطعة هي كل ما تبقى لي من الجنوب، وجزءاً يسيراً من تلك المساحة المنكوبة، ومن الوجع المتروك في حاراتنا التي باتت خالية منا. قطعة زجاج بقيت عالقة، رفضت أن تُلقى بعيداً، والتصقت بنا لتشاركنا رحلة النزوح القسرية بكل مرارتها. أتذكرها حين كانت يوماً مكتملة، جزءاً أصيلاً من شباك غرفتي، كنت أرى من خلالها شروق الشمس، وهطول المطر، وتفاصيل الطريق المألوفة التي سلكناها لسنوات. أما اليوم، وبعد كل ما جرى من دمار، لم يعد بإمكاني أن أرى من خلال صفاؤها المكسور سوى ملامح النكبة الواضحة.



