معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

هذه “عقيدة” إسرائيل وخططها لمواجهة مسيّرات الحزب

المساعدة البصرية: حجم الخط

في تقدير صادر عن مركز “ألما” للتعليم والأبحاث، لم يعد تهديد الطائرات المسيّرة التي يستخدمها الحزب مسألة تقنية هامشية، بل تحوّل إلى أحد أبرز التحديات العملياتية في ساحة جنوب لبنان.

التقرير لا يكتفي بوصف التهديد، بل يكشف أيضاً ملامح التحوّل الإسرائيلي الجاري لمواجهته، وهو تحوّل يتجاوز الأدوات، إلى مستوى العقيدة العسكرية نفسها.

 

ينطلق تقييم مركز “ألما” للتعليم والأبحاث الإسرائيلي من حقيقة أساسية قائمة على أنّ ما يستخدمه حزب الله اليوم ليس طائرات عسكرية تقليدية، بل مسيّرات مدنية منخفضة الكلفة تم تعديلها لتصبح أدوات قتل دقيقة.

هذا التحول النوعي، الذي يعتمد على مسيّرات من نوعFPV  يسمح للمشغّل برؤية الهدف مباشرة وتشغيل بثّ حيّ وقدرة تشويش منخفضة. ما يجعلها أقرب إلى “ذخيرة ذكية موجهة بصرياً” منها إلى طائرة بدون طيار بالمعنى الكلاسيكي.

مئات تعطّل ملايين الدولارات

لكن الأهم، وفق تقدير المركز، هو أنّ هذه المسيرات تنتج معادلة جديدة: سلاح بكلفة مئات الدولارات قادر على تعطيل منظومات دفاعية بملايين الدولارات. وهنا تحديداً تكمن المعضلة الإسرائيلية.

أولاً: لماذا تفشل الدفاعات التقليدية؟

يشير التقرير إلى أنّ إسرائيل بنت خلال العقدين الماضيين منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات، تتصدرها القبة الحديدية، إلى جانب الحرب الإلكترونية وأنظمة اللايزر.

هذه المنظومة صُمِّمَت أساساً لمواجهة الصواريخ والقذائف، وليس أسراب المسيّرات الصغيرة منخفضة الارتفاع.

المشكلة تتفاقم مع دخول الألياف البصرية إلى ساحة المعركة. فالمسيّرة التي تقاد عبر كابل بصري لا تتأثّر بالتشويش الإلكتروني، ما يعني تعطيل أحد أهم عناصر التفوّق الإسرائيلي والدرع الاخير من طبقات الدفاع وهي الحرب الإلكترونية. بذلك، يتم تحييد “الطبقة الأخيرة” من الدفاع، ما فتح فجوة عملياتية حقيقية.

ثانياً: ماذا تعلّمت إسرائيل من أوكرانيا؟

يقرّ التقرير بأنّ حزب الله لم يبتكر هذا النموذج من فراغ، بل استلهمه من الحرب الروسية–الأوكرانية، حيث أثبتت المسيّرات الرخيصة فعاليتها في استنزاف الجيوش النظامية.

لكن في المقابل، تعلمت إسرائيل الدرس ذاته بانه لا يمكن مواجهة هذا التهديد بمنطق الدفاع الجوي التقليدي، بل عبر مزيج من الحلول السريعة والمرنة.

ثالثاً: التحوّل إلى “الدفاع القريب”

أحد أبرز ما تكشفه دراسة مركز “ألما” هو أنّ إسرائيل تتّجه نحو نقل المواجهة من السماء إلى مستوى الجندي نفسه. أي من “الدفاع المركزي” إلى “الدفاع اللامركزي القريب”.

في هذا السياق، تعمل إسرائيل على نشر وسائل اعتراض مباشرة تشمل:

  1. مسيّرات دفاعية لاعتراض المسيرات المعادية.
  2. أنظمة إطلاق نار أوتوماتيكية.
  3. ذخائر متشظية تشبه ذخيرة الشوزن.
  4. كما يتم تطوير مسيّرات اعتراضية متخصّصة، مثل تلك التي تعمل عليها شركةSpear، إلى جانب أنظمة متكاملة مثلDrone Dome وReDrone.

لكنّ اللافت أن هذه الحلول، رغم تطوّرها، لا تُعتبر كافية وحدها، بل هي جزء من منظومة أوسع.

رابعاً: “الجندي القناص” كحلّ تكتيكي

من أكثر النقاط إثارة في التقرير هو تركيزه على تحويل الجندي العادي إلى عنصر دفاع جوي.

هنا تبرز أنظمة التصويب الذكية مثل نظامSMASH 3000  الذي تطوّره شركة Smart Shooter . هذا النظام يعتمد على الرؤية الحاسوبية، ويحدّد لحظة الإطلاق المثالية لإصابة هدف صغير ومتحرّك.

بمعنى آخر، إسرائيل تعترف ضمنياً بأنّ أفضل وسيلة لمواجهة بعض هذه المسيّرات قد تكون “طلقة بندقية دقيقة”، لا صاروخاً متطوراً.

خامساً: الحلول البدائية… عادت بقوّة

على عكس الصورة النمطية للحروب الحديثة، يبرز في التقرير اعتماد متزايد على وسائل “بدائية” نسبياً لكنها فعالة.

أبرز هذه الوسائل:

  1. الشباك المعدنية فوق الآليات.
  2. التمويه المتقدم.
  3. الأهداف الوهمية لخداع المسيّرات.

هذه التقنيات، التي استُخدمت في أوكرانيا، أثبتت قدرتها على تقليل الخسائر عندما تفشل وسائل الاعتراض المتقدّمة. وهي تعكس تحوّلاً مهماً ينتقل من محاولة إسقاط كلّ تهديد إلى محاولة تقليل أثره.

سادساً: الحرب النفسية… البعد غير المرئي

لا يتوقف التهديد عند الجانب العسكري. فالتقرير يشير إلى أنّ مسيراتFPV  تخلق “شعوراً دائماً بالملاحقة”، ما ينعكس مباشرة على معنويات الجنود.

هذا البعد النفسي يجعل من المسيّرات أداة مزدوجة:

  1. أداة قتل تكتيكي.
  2. وأداة استنزاف معنوي واستراتيجي.

وهو ما يشبهه حزب الله، وفق التقرير، بتأثير صواريخ “كورنيت” في حرب 2006.

سابعاً: الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة

يمكن تلخيص ما تخطّط له إسرائيل في ثلاث طبقات متكاملة:

  1. استجابة فورية (تكتيكية):

نشر الشباك، توزيع الذخائر المتشظية، وتزويد الوحدات بأنظمة تصويب ذكية.

  1. استجابة متوسطة (عملياتية):

تطوير أنظمة اعتراض مخصصة للمسيرات، وزيادة استخدام المسيرات الدفاعية.

  1. استجابة بعيدة (عقائدية):

الانتقال من نموذج الدفاع الجوي المركزي إلى نموذج “الدفاع الشخصي”، حيث تمتلك كل وحدة قدرات كشف واعتراض مستقلة.

 

إقرأ أيضاً: ماذا يفعل اليمنيون والأفغان والعراقيون في جنوب لبنان؟