معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

الجامعة اللبنانية (2): الرئاسة والتمديد.. السؤال “غلط”

المساعدة البصرية: حجم الخط

“تدوير المواقع الإدارية” أو “تدوير المناصب”، هو اقتراح جديد في ملفّ رئاسة الجامعة اللبنانية. التي فتح جدلٌ حول إمكانية التجديد لرئيس الجامعة لولاية ثانية “قابلة للتجديد”. ما يفتح باب “الأبد”… والاقتراح الجديد هو نقل المسؤول من موقع إلى آخر داخل الإدارة العامة، بما يسمح باستثمار خبراته بدل تجميدها في موقع واحد لفترات طويلة…. لكن هل هذا هو النقاش المطلوب اليوم حول الجامعة اللبنانية؟

 

 

تبدو الجامعة اللبنانية أمام “سؤال غلط” اليوم.

فالتصويب على ملفّ التجديد لرئيس الجامعة ليس في مكانه. والمشكلات التي تعاني منها أبعد من السنوات الخمس المعتمدة حاليًا. وإمكانية تجديدها 5 أخرى، أو أكثر…

فالجامعة تحتاج إلى إصلاحات جذرية على مختلف المستويات. لا إلى البحث في مسألة تجديد من هنا أو هناك. في ظل اهتراء يطال بنية الجامعة ككلّ، من فضائح قانون التفرّغ، إلى فساد إيجارات مباني الجامعة اللبنانية، وغيرها من الملفات الكبرى.

أستاذ جامعي، فضّل عدم الكشف عن هويته لأسباب إدارية، اعتبر في حديثٍ لموقع “الدولة” أنّ النقاش حول تجديد الولاية يتقدّم على أسئلة أكثر جوهرية، متسائلًا: “ما هي الشروط التي على أساسها يُجدَّد لشخص ما؟”.

واعتبر أنّ الحديث عن “ظروف استثنائية” لا يقتصر على الحرب، بل يشمل أيضًا الانهيار الذي تعيشه الجامعة اللبنانية نفسها. كما شكّك في الربط بين تجديد الولاية وتحسين الأداء، متسائلًا: “من قال إن تجديد الولاية يعني بالضرورة تنفيذ الخطط ورفع مستوى الكفاءة والفعالية؟”. وأضاف: “كيف يمكن الافتراض سلفًا أنّ من سيخلف رئيس الجامعة سيكون غير كفوء أو غير قادر على الإنجاز؟ أليس الأجدى ضخّ دم جديد ورؤية مختلفة داخل الجامعة اللبنانية؟”.

تدوير المواقع الإدارية” أو “تدوير المناصب”، هو اقتراح جديد في ملفّ رئاسة الجامعة اللبنانية. التي فتح جدلٌ حول إمكانية التجديد لرئيس الجامعة لولاية ثانية “قابلة للتجديد”

لا سقف زمنياً لـ”التجديد”

الدكتور في الجامعة حسن دياب، في حديث لموقع “الدولة”، اعتبر أنّ من طورة القانون المقترح عدم وجود نصّ “يلحظ سقفًا زمنيًا لعدد مرّات التجديد”. وأنّ هذا الطرح “لا يستقيم مع منطق الإدارة العامة ولا مع طبيعة التخطيط المؤسسي”ز

دياب هو باحث وأستاذ جامعي محاضر في المالية العامة. برأيه أنّ “أيّ مدير ينفّذ خططه التطويرية يحتاج بين ثلاث وخمس سنوات”، وليس أكثر. ويلفت إلى أنّ “هذه المدة تُعدّ الإطار الطبيعي لإنجاز المشاريع وتقييم نتائجها ضمن أي مؤسسة إدارية أو أكاديمية. وتمديد الولاية إلى عشر سنوات يُعدّ مبالغة. وبالتالي فإنّ الحديث عن تجديد لأكثر من ولايتين لا مبرر إداري أو أكاديمي له”.

المشكلة في القدرة أم في المدة؟

ويذهب أبعد من ذلك في تشديده على أنّ عدم إنجاز الخطط خلال ولاية من خمس سنوات يعني غالبًا أن المشكلة ليست في مدة الولاية، بل في القدرة على التنفيذ نفسها: “من لم يستطع تنفيذ خططه خلال خمس سنوات، فلن ينجح على الأرجح حتى لو بقي في منصبه ثلاثين عامًا”.

ويربط دياب بين تحديد مدّة الولاية وفعالية الأداء، معتبرًا أن سقف السنوات الخمس يشكّل عامل ضغط إيجابي يدفع نحو تسريع العمل وتكثيف الإنتاجية، بخلاف تمديد المدد إلى فترات مفتوحة قد تخلق، بحسب تعبيره، نوعًا من الركود الإداري و”حكم الشخص الواحد”.

تدوير المواقع الإدارية

يقترح دياب في المقابل معالجة الإشكالية من زاوية مختلفة، تقوم على ما يسميه “تدوير المواقع الإدارية”، بحيث يُنقل المسؤول من موقع إلى آخر داخل الإدارة العامة، بما يسمح باستثمار الخبرات بدل تجميدها في موقع واحد لفترات طويلة.

الفقرة القانونية موضوع الإشكال تنصّ على ولاية من خمس سنوات قابلة للتجديد، بعدما كانت في السابق غير قابلة للتجديد. إلا أنها لا تحدد عدد مرات التجديد. ما يفتح الباب أمام أكثر من تفسير. وبالتالي كان من الأجدى تحديد إمكانية التجديد لمرة واحدة فقط، منعاً لأي التباس أو تمديد مفتوح للولاية.

من منظور فلسفة الإدارة والحوكمة، تقوم فعالية المؤسسات على وجود ولاية زمنية محددة تتيح تقييم الأداء ضمن إطار واضح، ما يعزّز المساءلة ويحدّ من ترسّخ السلطة أو الجمود الإداري

حكم الشخص الواحد!

من منظور فلسفة الإدارة والحوكمة، تقوم فعالية المؤسسات على وجود ولاية زمنية محددة تتيح تقييم الأداء ضمن إطار واضح، ما يعزّز المساءلة ويحدّ من ترسّخ السلطة أو الجمود الإداري. في المقابل، لا يُعدّ التجديد بحد ذاته إشكالًا إذا كان مرتبطًا بتقييم موضوعي للأداء ومحصورًا بسقف زمني واضح، بحيث يبقى أداة لاستمرارية النجاح لا لتمديد النفوذ.

أما في الحالات التي يغيب تحديد سقف عدد مرّات التجديد، فيفتح الباب أمام تركّز السلطة وتحول المنصب من وظيفة مؤسساتية قابلة للتبدّل إلى موقع مرتبط بالشخص. بما يضعف منطق الحوكمة ويؤثر على ديناميكية التجديد داخل المؤسسة.

من هنا ينشأ الخوف من أن تكون هذه الخطوة مفصّلة على قياس أشخاص. وما يثير القلق أكثر هو احتمال أن تنسحب هذه المقاربة على سائر الإدارات والمؤسسات العامة في بلد يقوم على المحاصصة الطائفية وأسلوب “الستة وستة مكرّر” في كل صغيرة وكبيرة.

 

إقرأ أيضاً: السيّدة الأولى طلبت… ومصرف لبنان نصر “الأمّهات