معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

فكر الحزب أخطر من سلاحه: قراءة في الدرس المصري

المساعدة البصرية: حجم الخط

يخوض الرئيس جوزاف عون معركة حصر السلاح بيد الدولة، وهي معركة ضرورية ومستحقة. لكن ماذا لو كان تسليم السلاح مجرد بداية المعركة الحقيقية، لا نهايتها؟ وأليست ترسانة الأيديولوجيا الإيرانية أخطر من ترسانة السلاح؟ وكيف السبيل لمواجهتها؟

هنا محاولة للإجابة استناداً إلى الدرس المصري الحديث التجربة.

 

حين أخرج الرئيس المصري أنور السادات قادة جماعة “الإخوان المسلمين” من المعتقلات المصرية في سبعينيات القرن الماضي، ظنّ أنه يشتري ولاءً سياسياً بثمن رخيص: عدو ناصري سابق يتحول إلى حليف ظرفي ضد اليسار.

كانت تلك المقايضة قصيرة النظر. فالدولة المصرية يومها حاربت الجماعة أمنياً وقانونياً، وزجّت بكوادرها في السجون، وطاردت تنظيماتها، لكنها تركت المعمل الذي يصنع الفكرة يعمل بلا رقيب: المساجد التي تُدار خارج سلطة الأزهر الفعلية، والمناهج التي تتوالد في الزوايا المهمّشة، والخطاب الذي يعيد إنتاج نفسه في كل جيل جديد من الشباب الباحث عن معنى. والنتيجة معروفة: كل ضربة أمنية كانت تُنبت خلية جديدة، وكل سجن كان يتحوّل إلى جامعة أيديولوجية. هذا لأنّ الفكرة لم تنكسر، لأنّ أحداً لم يواجهها في عقر دارها، أي في المناهج وفي تعريف الولاء ذاته.

من الرصاص إلى المناهج

لم تدرك مصر حجم الخطأ إلا بعد عقود من الدم، من اغتيال السادات نفسه إلى إرهاب التسعينيات، وصولاً إلى انفجار 2013 بعد سنة من حكم الإخوان. عندها فقط أطلق عبد الفتاح السيسي ما سُمّي “تجديد الخطاب الديني”، وهي، مهما قيل في حدودها وبطء تنفيذها، اعتراف متأخّر بحقيقة بسيطة: لا يمكن هزيمة فكرة بالرصاص وحده. الفكرة تُهزم حين تُفكَّك من الداخل، وحين تُستبدل مرجعية الولاء، وحين تُعاد صياغة السؤال الذي تُربّى عليه الأجيال: لمن ينتمي الإنسان أولاً؟ للأمة الدينية العابرة للحدود، أم للوطن بحدوده وقانونه ومواطنيه؟

الفخ اللبناني المشابه

هذا بالضبط هو الفخ الذي يقف لبنان على حافته اليوم. الرئيس جوزاف عون يخوض معركة حقيقية وضرورية حين يطلق مسار حصر السلاح غير الشرعي بيد الدولة. وهي خطوة تستحق الدعم لا التشكيك. لكن من يظن أن تسليم السلاح، لو حصل كاملاً وبلا مناورة، يعني نهاية المشروع الأيديولوجي لحزب الله، فهو يكرّر خطأ الدولة المصرية في السبعينيات والثمانينيات: يحارب الترسانة ويتجاهل المصنع.

فحزب الله ليس بندقية فحسب، بل نظام فكري وتربوي متكامل:

  • مدارس “المهدي” وشبكاتها الكشفية والدينية لا تُعلّم فقط قواعد اللغة والرياضيات، بل تُرسّخ بصمت هرمية ولاء واضحة: الولاية الدينية والمذهبية أولاً، ثم السلاح كإطار وجودي.
  • ثم مؤسسات مثل جهاد البناء وشبكة صامدون وخدمات مثل بطاقة “نور”، وفي مكان متأخر جداً، الدولة اللبنانية بمؤسساتها وقوانينها. طفل يتخرّج من هذا النظام التربوي، حتى لو لم يحمل سلاحاً يوماً، يحمل في وعيه بنية فكرية تجعل الولاء للحزب سابقاً على الولاء للوطن. وهذا الطفل، حين يكبر، لن يحتاج إلى بندقية ليكون عائقاً أمام دولة سيادية موحدة، يكفي أن يصوّت، وأن يُدرّس، وأن يربّي أبناءه على المنطق ذاته.

معركة فكرية بامتياز

الحل، إذن، لا يكتمل عند نقطة تسليم السلاح، بل يبدأ منها. إنها معركة فكرية بامتياز، ولبنان يحتاج مساراً موازياً لما حاولته مصر متأخرة: مراجعة جذرية للخطاب الديني والتربوي في كل الطوائف والمذاهب إن اضطر الأمر، لأنّ الانغلاق الأيديولوجي ليس حكراً على أحد. يحتاج منهجاً تربوياً رسمياً موحداً يُعلي المواطنة على الانتماء المذهبي، ويحتاج دولة تفرض إشرافها الفعلي، لا الشكلي، على كل مؤسسة تربوية وإعلامية ودينية تعمل على أرضه، بدل أن تترك كل طائفة جمهوريتها التربوية الخاصة. كما يحتاج خطاباً دينياً شيعياً بديلاً، ينبع من الداخل الشيعي نفسه، ويعيد الاعتبار لتراث فكري لبناني أصيل يسبق حزب الله بعقود.

الدرس المصري قاسٍ لكنه واضح: من يكتفي بنزع السلاح دون نزع الفكرة يكون قد أجّل المعركة لا أنهاها. ولبنان، بعد كل ما دفعه من دم وخراب، لا يملك ترف تكرار هذا الخطأ لعقود أخرى قادمة.

 

إقرأ أيضاً: إلى السيدة الثرثارة على باب زوطر المحرّرة