معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

سقط علي الطاهر… وبقي “الموتورجي”

المساعدة البصرية: حجم الخط

سقط علي الطاهر، واهتزّت قوى أكبر منه… أما “الموتورجي” في لبنان، فلا يزال عصيّاً على السقوط، بحماية الأحزاب الفاسدة، وبعجز الدولة.

 

يسقط علي الطاهر، تتغيّر أنظمة وتسقط أخرى، وتتبدل موازين القوى في المنطقة بأكملها… لكن ثمّة سلطة تبدو عصية على السقوط: سلطة المولد الكهربائي، لا سيما ذاك المدعوم من أحزاب “الأوادم”.

سلطة لا يحتاج صاحبها إلى انتخابات، ولا إلى كتلة نيابية أو حقيبة وزارية. يكفي أن ينقطع التيار الكهربائي الآتي من معامل الدولة الكهربائية، وهذا ما يحصل يومياً، حتّى يصبح “الموتورجي” جزءاً إلزامياً من حياة كل لبناني، يشغّل منزله، متجره، مصنعه ومطعمه، ثم يطرق بابه آخر الشهر بفاتورة باتت بالنسبة إلى عائلات كثيرة راتباً ثانياً يصعب تأمينه، والأصعب هو التخلّي عنه.

خلال الشهرين الأخيرين، ارتفعت الصرخة مجددا:. فواتير بمئات الدولارات، وشكاوى من تسعيرات تجاوز بعضها حدود المعقول، فيما السؤال نفسه يتكرر مع كل “خبصة:  من يرفع الفاتورة؟ صاحب المولد؟ وزارة الطاقة؟ ارتفاع سعر المازوت؟ أم حكومات تركت قطاعاً حيوياً ينمو لعقود حتى أصبح اقتصاداً موازياً لاقتصاد البلد.

ارتفاع فعلي بالفواتير: 18%

بعيداً عن الانطباعات السياسية والاجتماعية، الأرقام الرسمية تؤكد أنّ كلفة الكهرباء لدى المولّدات الخاصة ارتفعت بشكل كبير.

–        في تموز 2026: حدّدت وزارة الطاقة السعر العادل للكيلوواط/ساعة للمشتركين بالعدادات في المدن والتجمعات المكتظة بـ40,746 ليرة.

–        وفي آب 2026: ارتفع الرقم إلى 48,241 ليرة.

أي أن التعرفة الرسمية نفسها قفزت بنحو 18.4  في المئة خلال شهر واحد. وبالتالي، جزء من الزيادة التي خرجت من جيوب المواطنين لم يسرقها أصحاب المولدات، بل جاءت من المعادلة الرسمية التي تعتمدها وزارة الطاقة. بالطبع أضاف إليها أصحاب المولّدات ما يلزم لزيادة أرباحهم

ولهذا السبب يرفض رئيس تجمّع أصحاب المولّدات عبدو سعادة وضع القطاع كلّه في قفص الاتهام.

سعادة: “نحن شو خصنا؟

يقول سعادة أن لا شيء استثنائياً حصل في القطاع يبرّر الحديث عن زيادة عشوائية عامة، بل إنّ ارتفاع سعر المازوت انعكس مباشرة على كلفة الإنتاج.

ويضيف في حديث لموقع “الدولة”: “نحن لسنا مسؤولين عن تسعير المازوت، وزير الطاقة هو من يسعّر، وحتى تعرفة المولدات تصدر عن وزارة الطاقة”. لكنه يعيد أصل المشكلة إلى حين تصل الفاتورة إلى المواطن: “مع كل ارتفاع يخرج المواطنيون ليعترضوا على صاحب المولد وأصحاب المولدات. نحنا شو خصنا؟ عم يحطونا بوجه الناس ونحن ما إلنا علاقة بالتسعيرة”.

من دون أن ينفي أنّ بعض أصحاب المولّدات يرفضون تركيب عدّادات، وبالتالي تكون الزيادة عشوائية ولا تستند إلى ما يصرفه المواطنون بالكيلوواط.

وعندما نسأله عن حجم القطاع، يقدّر عدد المولدات في لبنان بنحو خمسة آلاف.

هل هي كلها مسجلة لدى الدولة؟ يجيب: “كلنا شرعيون، ونعطي اللبنانيين الكهرباء منذ 35 عاماً. مسجلين أم غير مسجلين، هذا موضوع آخر”.

هذه العبارة، من دون قصد، قد تختصر المشكلة كلّها.، في قطاع يعتبر نفسه شرعياً لأنه منذ 35 عاماً يقوم بوظيفة الدولة، فيما الدولة نفسها لم تنجح بعد في تحويل هذا الواقع إلى قطاع منظم بالكامل.

الحقيقة المُرّة

من السهل شعبوياً وضع أصحاب المولدات جميعاً تحت تهمة “المافيا”. لكن ذلك لا يساعد على فهم القصة كاملة. فالحقيقة التي يصعب على أي حكومة إنكارها هي أنّ الاقتصاد اللبناني قائم جزئياً على أكتاف هؤلاء.

من دون المولدات، وفي ظل عجز مؤسسة كهرباء لبنان عن تأمين التغذية على مدار الساعة، لا تنطفئ المنازل وحدها، بل تتوقف المتاجر والمصانع والمطاعم والمكاتب والمصاعد ومضخّات مياه والمؤسسات كلّها... لا بل قد يتوقف البلد بكامله.

أي أن القطاع الذي يشكو منه المواطن اللبناني هو نفسه القطاع الذي أنقذ جزءاً كبيراً من حياته الاقتصادية والاجتماعية من العتمة التي كرستها الدولة على مدى عقود من الهدر والفساد.

لكن بالتأكيد فإنّ الاعتراف بهذه الحقيقة لا يمنح أي صاحب مولد حقّ فرض تسعيرته الخاصّة، أو رفض تركيب عدّاد، أو استيفاء بدلات غير قانونية، أو تقليص ساعات التغذية خلافاً للشروط.

نواف سلام بدأ المحاسبة

لا قدرة لأجهزة الدولة حالياً على الحلول مكان قطاع المولّدات. هذا صحيح. لكن هل هي قادرة على المحاسبة؟

يبدو بعد الخضّة الكبيرة التي أثارتها فواتير آب الماضي، أنّ المحاسبة اليوم انتقلت إلى مرحلة جديدة، إذ تؤكد مصادر حكومية خاصة لـ”الدولة” أن رئيس الحكومة كان حازماً في هذا الملف مع الوزارات والأجهزة الأمنية والقضاء، وأن التوجه يقوم على البدء بكبار المخالفين تحديداً، بهدف خلق أثر رادع ينسحب على بقية القطاع، وهذا ما بدأنا نسمع ونقرأ عنه خلال الأيام الماضية.

وبحسب المصادر، فإنّ المولدات التي ستصادرها الأجهزة المعنية ستُسلّم إلى البلديات، بعدما كانت بعض البلديات في السابق تتردّد في استلامها. فيما باتت الإجراءات اليوم تستند إلى أوامر وإشارات قضائية واضحة.

إذاً، هناك تحرك جدّي. لكن يبقى أمام الحكومة أسئلة أكبر من حملة مصادرات:

–        خمسة آلاف مولد… فمن يعرف ماذا يفعل كل واحد منها؟

–        إذا كان تقدير تجمع أصحاب المولدات يتحدث عن نحو خمسة آلاف مولد، فكم منها مسجل فعلياً؟

–        كم منها يعمل وفق العدادات؟

–        كم منها يطبق التسعيرة الرسمية حرفياً؟

–        كم منها يستوفي الضريبة على القيمة المضافة بصورة قانونية ويحوّلها إلى الخزينة؟

–        وكم تبلغ القيمة الحقيقية لهذا الاقتصاد الموازي سنوياً؟

وهي الأسئلة التي حاولنا على مدى الأيام الماضية الوصول إلى إجابات حولها من الوزارات المعنية. لكن وكالعادة مهمة البحث في الأرقام  في الوزارات اللبنانية تبقى شبه مستحيلة. فكيف ستكون المحاسبة جدية وفعلية إذا كانت الإحصائيات الدقيقة أصلاً غير موجودة.

تنسيق شبه معدوم

لا يدافع سعادة في حديثه لـ”الدولة” عن المخالفين، بل يقول بوضوح إن التجمّع يقف ضد أي تجاوز أو ظلم للمواطنين، وإن من يخالف يجب أن تحاسبه أجهزة الدولة. ويطالب بفتح تحقيق في أسباب ارتفاع الفواتير، ومحاسبة كل من يثبت أنه رفع الكلفة على المواطنين بصورة غير مشروعة.

ويعيد الكرة إلى ملعب الحكومة ووزارة الطاقة تحديداً، مشدداً على أن التسعيرة الرسمية لا يحدّدها أصحاب المولدات، بل تصدر عن وزارة الطاقة، وبالتالي فإن مساءلة القطاع يجب أن تترافق، برأيه، مع مساءلة الجهة الرسمية التي تضع التعرفة.

كما يكشف أنّ التواصل بين تجمع أصحاب المولدات ووزارة الطاقة شبه معدوم، وأنّ المشكلة تتفاقم حين تحدّد الدولة التسعيرة، ثم يتحول صاحب المولد وحده إلى واجهة الغضب الشعبي عند ارتفاع الفاتورة.

ويسأل عن حجم التغذية التي تقدمها كهرباء لبنان أساساً، مؤكّداً أنّ العبء الأكبر في مسؤولي تأمين الكهرباء ما زال يقع على المولدات الخاصة، وأنّ الفاتورة كانت ستبدو مختلفة تماماً لو كانت الدولة تؤمّن الجزء الأكبر من ساعات التغذية، في مقارنة بين فاتورة الدولة التي لا تأتي أكثر من ساعتين في اليوم وبين فاتورة “الموتور” التي تستمر في التغذية 24 على 24.

من صنع “مافيا المولدات”؟

إذا كان في لبنان ما يسمى “مافيا المولدات”، فمن صنع السوق التي سمحت لها بالنمو؟

لم يقرّر اللبنانيون من تلقاء أنفسهم استبدال كهرباء الدولة بمولد في كل حي. دخل المولد حين خرجت الدولة. ثم تحول من حلّ مؤقت إلى مؤسسة أمر واقع، ومن بضعة أمبيرات عند انقطاع الكهرباء إلى قطاع كامل له زبائنه وتسعيرته وأصحابه ومصالحه ورأس ماله ونفوذه.

والأغرب أن الحكومات المتعاقبة هي التي تسعّر خدمة هذا القطاع، وتراقبها، وتعاقب المخالفين فيها من خلال الوزارات:  

–        فوزارة الطاقة تحدّد التعرفة.

–        ووزارة الاقتصاد تراقب.

–        ووزارة الداخلية والأجهزة الأمنية تلاحق.

–        والقضاء يعطي الإشارات بالمصادرة.

–        والبلديات تتسلّم المولدات المصادرة.

عدد كبير من مؤسسات الدولة موجودة حول المولد. إلا المؤسسة التي كان يفترض أن تجعل وجوده استثنائياً ومؤقتاً: مؤسسة كهرباء لبنان.

لكن في المقابل، الخدمة الضرورية يجب ألا تتحوّل إلى حصانة.

فهل الحكومة الجديدة قادرة على تبديد هذه الحصانة في ظل كلّ ما يعيشه لبنان من أزمات تتجاوز سوداوية العتمة نفسها.

عودٌ على بدء: في لبنان سقطت حكومات، وتغيّر رؤساء، وانهارت الليرة، ووقعت حروب، وتبدلت موازين قوى.. وبقي المولد يدور ويدور ويدور.

فمتى سيتوقف؟ أو من يستطيع إيقافه؟

إقرأ أيضاً: بيانات “الأهالي” تربك الحزب…بداية تصدّع في الصف الجنوبي؟