لم يكن الدخان الذي ارتفع فوق المريجة في الضاحية الجنوبية، ولا التوغل الإسرائيلي المحدود على أطراف النبطية، مجرد فصل جديد من الحرب الدائرة منذ أشهر. فالتطوّرات التي شهدها لبنان خلال الأيام الأخيرة كشفت ما هو أبعد من التصعيد الميداني، وأعادت طرح سؤال جوهري حول موقع لبنان بين منطق الدولة ومنطق المحاور الإقليمية.
نافذة التهدئة التي أغلقتها الحسابات الإقليمية
في الوقت الذي كانت تتردّد فيه معلومات عن مساعٍ قادها رئيس مجلس النواب نبيه بري لاستكشاف فرص التهدئة وتثبيت وقف إطلاق النار، جاءت الأحداث لتؤكد أن القرار لم يعد لبنانياً بالكامل. فكلما ظهرت نافذة سياسية تسمح بخفض التصعيد، عادت الحسابات الإقليمية لتفرض نفسها على المشهد.
عون وطهران: مواجهة حول القرار اللبناني
وقد برز ذلك بوضوح مع مواقف قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني الرافض لأي تسوية لا تتضمن انسحاباً إسرائيلياً كاملاً، ثمّ مع تبنّي الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم سقفاً مشابهاً. إلا أنّ التطوّر الأكثر دلالة جاء مع دخول الرئيس جوزيف عون على خط السجال، عبر تأكيده رفض استخدام لبنان كورقة تفاوض إقليمية وتمسّكه بحصر قرار الحرب والسلم بالدولة اللبنانية.
هذه المواقف لم تمر بهدوء في طهران. فقد أعقبتها حملة إعلامية وسياسيّة حادّة وصلت إلى حد اتهام عون بالتماهي مع الأجندة الإسرائيلية، فيما بدا أنّ السجال تجاوز الخلاف الدبلوماسي ليعكس مواجهة أعمق حول مستقبل موقع لبنان نفسه.
رسالة نفوذ أم دفاع عن لبنان؟
وفي هذا السياق تحديداً، اكتسب التدخّل العسكري الإيراني المباشر أهمية استثنائية. فبرغم الضربات والخسائر الكبيرة التي تعرض لها حزب الله خلال السنوات الماضية، لم يسبق أن ردّت إيران بهذا الشكل المباشر تحت عنوان الدفاع عن لبنان. لذلك بدا القصف الصاروخي الإيراني لإسرائيل رسالة سياسية بقدر ما كان رداً عسكرياً، مفادها أنّ لبنان لا يزال جزءاً من معادلة النفوذ الإيراني وأنّ طهران ليست في وارد التخلي عن أحد أهم أوراقها الإقليمية.
ترميم صورة المحور واستعادة الردع المعنوي
كما جاء هذا التدخّل في لحظة حساسة شهدت تصاعد الانتقادات داخل أوساط واسعة من البيئة المؤيدة لحزب الله، حيث برزت أصوات إعلامية وسياسية محسوبة على الحزب تتساءل عن غياب الإسناد الإيراني المباشر رغم حجم الخسائر البشرية والعسكرية. وهو ما عكس مستوى من الحرج والضغط السياسي والشعبي لم يكن مألوفاً في السابق، وجعل الرد الإيراني يبدو أيضاً محاولة لإعادة ترميم صورة المحور واستعادة جزء من الردع المعنوي الذي تآكل خلال الحرب.
ولم يكن من قبيل الصدفة أن يتزامن ذلك مع عودة الحوثيين إلى واجهة المواجهة، ولا مع الحضور العلني لقاآني في الملف اللبناني. فالمشهد بأكمله أوحى بأنّ طهران أرادت، قبل أي تفاهمات محتملة مع واشنطن بشأن ملفها النووي، التأكيد أنها ما زالت قادرة على تحريك ساحات نفوذها المختلفة وأنّ أي تسوية لن تشمل التخلي عن شبكة حلفائها الإقليميين.
إسرائيل تستثمر تعثّر التهدئة
في المقابل، وجدت حكومة بنيامين نتنياهو في هذا الواقع فرصة لمواصلة الضغط العسكري. فتعثر التهدئة منح إسرائيل هامشاً أوسع لتبرير عملياتها في الجنوب والضاحية، فيما يرى منتقدو نهج طهران وحزب الله أن التمسّك بسقوف سياسية وعسكرية لا تنسجم مع موازين القوى الحالية منح إسرائيل مساحة أكبر للمبادرة، بينما يدفع لبنان والجنوب والبيئة الشيعية الثمن الأكبر من الدمار والنزوح والاستنزاف الاقتصادي.
ضربة محسوبة تحت المظلّة الأمريكية
لكن المفارقة أنّ الضربة الإيرانية جاءت أيضاً في ظل قناعة واسعة بأنّ إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لن تسمح بانزلاق المنطقة إلى حرب شاملة. فالمعطيات اللاحقة أظهرت ضغوطاً أمريكية مباشرة لاحتواء الردود المتبادلة، قبل أن يعلن الطرفان وقف الهجمات بينهما. وبذلك بدت طهران وكأنها تسعى إلى توجيه رسالة قوة محسوبة الكلفة، مستفيدة من إدراكها أن واشنطن ستضغط لمنع توسيع المواجهة.
لبنان يبقى ساحة المواجهة المفتوحة
ورغم توقف الاشتباك المباشر بين إيران وإسرائيل، بقي لبنان ساحة النار المفتوحة. فالغارات الإسرائيلية استمرت في الجنوب، واستمرت المواجهة مع حزب الله، فيما كررت إسرائيل رفضها أي معادلة تربط أمن لبنان بالمواجهة مع إيران.
صراع الهويّة بين الدولة والمحور
في المحصلة، لم تكشف أحداث الأيام الأخيرة مجرد سقوط فرصة تهدئة، بل كشفت صراعاً أعمق على هوية لبنان وموقعه الإقليمي. وبين مشروع دولة يسعى إلى استعادة القرار الوطني، ومشروع محور يتمسك بأوراقه الإقليمية، يجد لبنان نفسه مرة جديدة يدفع كلفة صراع تتجاوز حدوده وإمكاناته. فكلما تراجع القرار اللبناني المستقل، ازدادت قدرة الآخرين على رسم مستقبل اللبنانيين، وتحولت مدنهم وقراهم إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
إقرأ أيضاً: من الشقيف إلى القرى الحدودية… ماذا بقي للجنوبيين؟