معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

أسباب الإبادة: “التكليف الشرعي”… وغياب “حريّة الاختيار”

المساعدة البصرية: حجم الخط

السياسة، في جوهرها، فنّ إدارة الممكن. وتقوم على الموازنة بين المصالح والمفاسد، وعلى التسويات والمراجعات المستمرة... أما في لبنان، فـ”التكليف الشرعي” يجعل السياسي “مقدّساً” وغير قابل للنقاش. وما على الشيعة إلا تنفيذ الأوامر، ولو كان في تنفيذها إبادتهم ونهايتهم.

 

الحداثة العربية المُجهَضة وتأليه السياسة

إذا كان هناك من سمةٍ جوهرية تميّز الحداثة السياسية المُجهَضة في العالم العربي، فهي أنّها لم تنجح في تحرير السياسة من أسر الدين والميتافيزيقا. فبينما قامت الحداثة السياسية في الغرب على نزع القداسة عن السلطة وتحويلها إلى مجرد شأنٍ بشريٍّ قابلٍ النقدَ والمحاسبة، شهد المجال العربي مسارًا معاكسًا يمكن وصفه بـ”تسييس الميتافيزيقا” أو “تسييس المتعالي المفارِق” و”تقديس السياسة”. لذلك لم يختفِ الدين من المجال السياسي العربي حتى في الدول التي عرّفت نفسها بوصفها دولًا علمانية؛ إذ ظلّ الحاكم يستند، بدرجات متفاوتة، إلى الشرعية الدينية والمؤسسات الدينية الرسمية بوصفها أحد مصادر مشروعيته الرمزية.

فالسياسة، في معناها الكلاسيكي منذ المدينة – الدولة الإغريقية، هي إدارة شؤون المعيش البشري، وفنّ تنظيم المصالح المتعارضة، والبحث عن أفضل الممكن ضمن شروط الواقع. أمّا حين تتحوّل إلى مجرّد تنفيذٍ لتكليفٍ إلهي أو لمشروعٍ غيبيٍّ مفارِقٍ التاريخَ، فإنها تغادر حقل السياسة لتدخل حقل الخلاص الأخروي ونهايات التاريخ.

بهذا المعنى، لا يعود السياسيّ رجلَ دولةٍ أو فاعلًا تاريخيًّا، بل يتحوّل إلى منفّذٍ لإرادةٍ متعالية على التاريخ والواقع والبشر معًا.

العناد الميتافيزيقي وتلاشي السياسي

لعلّ أبرز ما يميّز الإسلام السياسي، السنّي والشيعي على السواء، هو ما نقترح تسميته بـ”العناد الميتافيزيقي” أو “العناد المتعالي”، إذ يخضع ما هو أرضيّ وتاريخيّ لمنطق المتعالي والغيب، فلا يكاد يترك مجالًا من مجالات الحياة من دون أن يضفي عليه طابعًا مقدّسًا.

لقد ميّز عالم الاجتماع والفيلسوف الألماني ماكس فيبر بين “أخلاق المسؤولية” و”أخلاق المبادئ المطلقة”. فالأولى تقيس الأفعال بنتائجها وآثارها الواقعية، أمّا الثانية فتتمسّك بالمبدأ بصرف النظر عن نتائجه.

وفي غالبية تجلّيات الإسلام السياسي، تسود “أخلاق المبادئ المطلقة”، بل وتصل إلى حدّها الأقصى، بحيث تصبح النتائج الأرضية مهما كانت كارثيّة، مجرّد تفاصيلَ ثانويةٍ أو مجرد “خسائرَ تكتيكيّةٍ” أمام ما يُقدَّم بوصفه واجبًا إلهيًّا. فالدمار الاقتصادي، والخراب العمراني، وسقوط الضحايا بالآلاف، وتفكّك المجتمعات، كلّها تتحوّل إلى أثمانٍ مقبولة ما دامت القضية مصاغةً بلغة التكليف الدينيّ والعقيدة.

لا وجود لـ”الخسارة”

هنا يُلغى أفهوم الخسارة نفسه. فالهزيمة العسكرية تُصبح بمنزلة “ابتلاء”، والانكسار السياسي يتحوّل إلى “امتحان إلهي”، والكارثة الإنسانية يُعاد تدويرها بوصفها “نصرًا مؤجّلًا”. بذلك تُستبدل المعايير التاريخية القابلة للقياس، بمعاييرَ غيبيّةٍ لا يمكن التحقق منها ولا إخضاعها للمحاسبة.

ما شهدناه في حروب الجماعات الجهادية السنّية، من داعش إلى سواها من التنظيمات العقائدية، وما شهدناه أيضًا في نماذج أخرى من الإسلام السياسي الشيعي، يكشف الآلية ذاتها: إزاحة الواقع لصالح العقيدة، والتاريخ لصالح الوعد الأخروي. وحين يحدث ذلك، يتلاشى السياسي داخل رجل العقيدة.

الأرض محطّة عابرة

ليست المشكلة في الإيمان الديني بحدّ ذاته، بل في تحويل التاريخ إلى مجرد ممرٍّ نحو الآخرة. فالدولة الحديثة تُبنى على أساس أنّ حياةَ الناس وأمنهم ورفاهيّتهم هي الغايةُ المباشرة للعمل السياسي. أمّا عندما تصبح الأرض مجرّد محطةٍ عابرةٍ في طريق الخلاص النهائي، فإنّ قيمة الإنسان الحيّ تتراجع لصالح سرديّةٍ كبرى تتجاوز وجوده الفردي، بل تتجاوز وجود الجماعة نفسها.

هكذا يُطلب من المجتمعات أن تتحمّل الفقر والحصار والدمار والحروب الطويلة باسم أهدافٍ متعالية لا يمكن الحكم على نجاحها أو فشلها، لأنّ تحققها نفسه يُرحَّل دائمًا إلى أفقٍ غيبيّ مؤجَّل.

بهذا المعنى، لا يعود التاريخ مرجِعًا للحكم على التجربة، بحيث يُرحّل الحكم دائمًا إلى عالمٍ آخر.

البراغماتية العارية: الوجه المقابل للعقيدة المطلقة

في المقابل، تقدّم بعض التجارب السياسية نموذجًا معاكسًا تمامًا.

فالرئيس السوري الحاليّ أحمد الشرع قدّم مثالًا على تحوّلٍ براغماتيٍّ حادٍّ انتقل فيه من عالم الشعارات العقائدية إلى عالم الحسابات السياسية المباشرة.

بغضّ النظر عن التقييم الأخلاقي أو الدينيّ لهذه التجربة، فإنّها تعبّر عن إدراكٍ عميقٍ لقاعدةٍ أساسية في السياسة: البقاء يتطلب التكيّف مع موازين القوى لا الاصطدام الدائم بها.

هنا تقترب السياسة كثيرًا من منطق “الواقعية السياسية” الذي يجعل البقاء هدفًا مركزيًّا للعمل السياسي. وعليه، قد تبدو هذه البراغماتية قاسية أو خالية من المثاليات، لكنها تختلف جذريًّا عمّا سمّيناه العناد الميتافيزيقي الذي يدفع الجماعات إلى الانتحار والفناء باسم الحقيقة المطلقة.

وإذا كانت البراغماتية المفرِطة تؤدي، أحيانًا كثيرة، إلى التنازل عن بعض المبادئ، فإنّ العقائدية المطلقة غالبًا ما تؤدي إلى تدمير المجتمع نفسه.

الديمقراطية المشلولة: المكلَّف في مواجهة المواطن

لا تقتصر آثار تسييس المتعالي والميتافيزيقا على الحروب والصراعات المسلّحة، بل تمتدّ إلى قلب العملية الديمقراطية نفسها.

في الديمقراطيات الحديثة، يُفترض أن يبقى التصويت فعلًا حرًّا يقوم على حقّ المواطن في الاختيار والمحاسبة، حتّى عندما يتأثر بقيمه الدينية أو الثقافية أو الاجتماعية. فالمواطن لا يتخلّى عن معتقداته حين يدخل غرفة الاقتراع ليضع صوته في الصندوق، لكنّه يبقى صاحب القرار النهائي، وهو الذي يزن البرامج والنتائج والكفاءات ويختار بينها وفق ما يراه أصلح للمجتمع والدولة.

غير أنّ الأمر يختلف جذريًّا حين تتدخّل العقيدة في العملية الانتخابية بوصفها سلطةً آمرة لا مجرّد مرجعيّةٍ أخلاقية. عندئذٍ يتحوّل المواطن إلى مجرد مكلَّف، كما هي حال المصلّي أو الصائم، ويصبح التصويت فعل طاعةٍ لله لا مجردَ فعل اختيارٍ سياسي يكفله الدستور، وامتثالًا لتكليفٍ دينيّ لا ممارسةً لحقٍّ سياسي.

هنا لا يعود السؤال: أيّ برنامجٍ سياسي أو اقتصادي أفضل؟ وأيّ مرشّح أكثر كفاءة؟ بل يصبح: ما الذي تقتضيه الطاعة؟ وما الذي يفرضه الواجب العقائدي؟

بذلك تتعطّل الوظيفة النقدية للناخب، وتُستبدل المحاسبة بالولاء، ويحلّ الامتثال محلّ الاختيار الحر. هكذا لا يعود المرشّح أو الحزب الذي يرشّحه، خاضعًا لتقييم أدائه ونتائج سياساته، بحيث يصبح محميًّا بهالةٍ من القداسة أو الشرعية العقائدية التي تعلو على النقد والمراجعة.

أزمة الحداثة السياسية العربيّة

من هنا تبدأ أزمة الحداثة السياسية العربية. فالحداثة لم تكن مجرّد بناء مدارسَ وجامعات ومؤسسات وإدارات حديثة، بل كانت، قبل كل شيء، مشروعًا لإنتاج الذات السياسية المستقلّة القادرة على التفكير الحرّ واتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته. لذلك لم تنجح الحداثة في الاستيطان العميق داخل مجتمعاتنا العربية رغم المدارس والجامعات والمؤسسات الحديثة التي أُنشئت على مدى أكثر من قرن.

لقد استوردنا أدوات الحداثة، لكننا لم نستبطن دائمًا منطقها. وبقيت البنى الطائفية والعقائدية والتقليدية قادرة على توجيه السلوك السياسي للأفراد، بحيث ظلّ المواطن، في كثيرٍ من الأحيان، أقرب إلى صورة المكلَّف دينيًّا منه إلى صورة الذات السياسية الحرة التي تُعدّ الشرط الأول لكل ديمقراطية حديثة.

لهذا لم تترسّخ قيم الحرية والمساواة والمواطنة وسيادة القانون وتداول السلطة بالعمق الذي عرفته المجتمعات الحديثة. فحين يتحوّل التصويت من حقٍّ سياسي إلى واجبٍ ديني عقائدي، لا تتعطّل الديمقراطية فحسب، بل يتعطّل معها المشروع الحداثي برمّته.

عندئذٍ لا يعود السؤال: أيّ برنامج اقتصادي أفضل؟ وأيّ مرشّح أكثر كفاءة؟ بل يصبح: ما الذي يفرضه الواجب العقائدي؟

هكذا تتعطّل الوظيفة النقدية للناخب، ويُستبدل الحكم العقلاني بالثقة العمياء. بل حتى إذا ضمّت اللائحةُ شخصياتٍ فاسدة أو عديمة الكفاءة، فإنّ قداسة العنوان العام تكفي لحجب المساءلة الفردية.

الإسلام السياسي واستعداء التاريخ

وعليه، فالإسلام السياسي، بمختلف أشكاله وألوانه، يعمد إلى جعل المفارِق السماوي محرّكًا للمحايِث الأرضي، والغيب موجّهًا للتاريخ، والآخرة حاكمةً للدنيا. من هنا ينشأ التوتر الدائم بينه وبين شروط السياسة الحديثة.

فالسياسة لا تُدار بالنوايا بل بالنتائج، ولا بالحقائق والمبادئ المطلقة بل بالتسويات، ولا بالأحلام الأخروية بل بحاجات البشر الملموسة.

لهذا فإنّ المجتمعات التي تُدار بمنطق التكليف الديني أو العقائدي الميتافيزيقي تجد نفسها عاجزة عن التعلّم من أخطائها، لأنّ الاعتراف بالفشل يصبح اعترافًا بخطأ العقيدة نفسها وبزيف المبادئ المطلقة نفسها وبهشاشة السرديات المقدسة نفسها. أمّا المجتمعات التي تُدار بمنطق السياسة، فتظلّ قادرة على المراجعة والتصحيح والتعلّم من الأخطاء وإعادة البناء.

إنّ تحويل الأرض إلى مجرّد ممرٍّ نحو الآخرة في العمل السياسي ينزع عن البشر حقّهم في الحياة الكريمة والأمن والاستقرار. وحين يُستبدل فنّ الممكن بعقيدة الخلاص، لا يبقى في نهاية المطاف سوى الركام، بينما تُسجَّل الكارثة في دفاتر الإيديولوجيا بوصفها انتصارًا إلهيًّا جديدًا.

لا تقوم الديمقراطية على قداسة الحاكم، بل على قابليته للعزل والمحاسبة. وحين تدخل القداسة صندوقَ الاقتراع يخرج منه المواطن ويدخل التابِع.

لهذا يمكن القول إنّ الخطر الأكبر في الإسلام السياسي لا يكمن في مرجعيته الدينية بحدّ ذاتها، بل في تحويله السياسة إلى امتدادٍ للعقيدة، والتاريخ إلى امتدادٍ للغيب، والمواطن إلى مكلَّفٍ ديني. وعندما يحدث ذلك يصبح النسبيّ مطلقًا، والبشريّ مقدّسًا، وتفقد المجتمعات قدرتها على المراجعة والتعلّم من أخطائها. عندئذٍ لا يعود الخراب نتيجةً محتملة للسياسة، بل يتحوّل إلى ثمنٍ مشروعٍ يُدفَع باسم الحقيقة المطلقة، فيما تُسجَّل الهزائم في دفاتر الإيديولوجيا بوصفها انتصاراتٍ مؤجّلة لا تنتهي.

 

إقرأ أيضاً: من يعيد الحياة “يا تراب الجنوب”