معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

المايسترو لبنان بعلبكي: عن مقامرة الحروب… وذاكرة العديسة

المساعدة البصرية: حجم الخط

ثمة بيوت لا تُهدم حين تسقط جدرانها، لأنها بُنيت أصلاً من شيء أصلب من الحجر — من حكايات الأمهات، ومن رائحة الفجر فوق الحقول، ومن صوت الأقدام المتجهة إلى الأرض منذ فجر الأزل. بيت عبد الحميد بعلبكي في العديسة كان واحداً من هذه البيوت، فأراد له الاحتلال أن يكون أثراً بعد عين. لكن ابنه المايسترو لبنان بعلبكي أبى، وحمل الحكاية من تحت الركام.

 

هنا النصّ الذي نشرته جريدة “النهار”:

 

“هيدي حكايتي حكيتا وبعبك خبيتا”

 

يأسرني صوت أمي العذب، وهي تختم لي حكايتها الليلية بهذه الجملة البسيطة، أخبئها وأكثر لتبقى سرّي الدفين كلما ازدحمت في رأسي الذكريات، وكلما رأيت مشاهد الدمار التي لحقت بقرى الجنوب المخضّب بالجمال.

أستذكر بعضاً من مشاهد طفولتي وأنا أشاهد معجزة الفصول تتوالى ألواناً على حقول وهضاب ممتدّة.

أسمع أصوات كبار السن متّجهين إلى حقولهم مع عذوبة الفجر، وكأنها صدىً  لسنين عاشت على إيقاع هادئ يضبطه الثبات والتجذّر.

أستيقظ في كل صباح أبحث عن هذا الصمت؛ صمت القرى في ذاكرة الأطفال؛ أبحث عن تلك الحكاية، عن ذلك الفجر التالي الموعود، عن ذلك السلام…

كيف لتلك الحكاية أن تصبح سجناً لا يمكن الانعتاق منه؟ 

ألجأ إلى الصور، أعيد ترتيبها، أتأكد أنها كانت حقيقية، أقاوم بها الاستسلام، أقلّبها ثم أعيد التمعن فيها، أكرر وأكرر…

أتمسّك فلا تجرفني الحياة فأتقبل… أريد ألّا أنسى، علّني استيقظ في صباح ما وتأخذني اللهفة إلى حديقة المتزل المهشّم، إلى فيء الصنوبر، حيث يرقد والداي في غرفة تشبه الصومعة. كيف لا يُدفنا في حديقة منزلهما، وهما بنيا حلمهما حجراً فوق حجر بالصبر والحلم والإصرار.

تروادني تلك الرحلة في المنام. يا لأحلام العجز كم هي قاسية…!

من سوف يروي حكايات تلك المنازل، تلك العتبات التي تضج بشوق الزيارة والترحاب؟
من سوف يعيد لذلك القرميد حُمرته المستحقة من مُدام الأرض؟ من يعيد لتلك الحجارة ارتصاصها؟

كيف لنا أن نقف على أطلال بيوتنا والقرى؟!

وأن ندفن موتانا الأحبة مرتين أو أكثر… وأن نلهث وراء مستقبل دون مداميك الحكايا، التي نبتت من التراب، ومن الخضرة التي طبعتنا بلونها وأزهرت فينا.

“إيه يا ابني” تلك هي الحروب عندما تصبح مقامرة بما هو أغلى من ينيان وحجارة فتخطف من الحياة روحها.

 

* نجل الفنان والشاعر الراحل عبد الحميد بعلبكي، الذي دمّرت إسرائيل منزله في بلدة العديسة الجنوبية عام 2024، كما فعلت في عشرات قرى الجنوب اللبناني ولا تزال، وهو المنزل الذي شكّل على مدى عقود ملتقىً فنياً وثقافياً واحتضن أعمالاً فنية وكتباً ومقتنيات نادرة.