معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

ألبوماتُ طفولتنا التي ما زلتُ أبحثُ عنها

المساعدة البصرية: حجم الخط

في رئاء البيوت التي دمّرتها الحرب، وقد قارب عددها 300 ألف، هنا مرثية لـ”ألبومات الصور”، التي لا يمكن تعويضها بالمال، ولا إعادة إعمارها، ولا تذكّرها حتّى…

 

 

كلما رأيتُ على مواقع التواصل الاجتماعي أشخاصًا يرثون منازلهم بحرقة، أجد نفسي أعود تلقائيًا إلى بيتنا الذي دُمّر في الساعات الأخيرة من حرب عام 2024. تتوقف عيناي عند تلك الصور، وتمتلئ عيناي بالدموع، وتعود تلك الغصّة التي لم أتوقّع يومًا أن أشعر بها بهذا العمق. إذ لم أكن أظن أنّ الإنسان يُمكن أن يشتاق إلى بيت كما يشتاق إلى شخص عزيز، أو أن يحزن على جدران وسقف بهذا القدر من الألم. لكنّ بيتنا لم يكن مجرد منزل، بل كان ذاكرة عائلة كاملة، وحكاية ثلاثين عامًا اختصرتها الحرب في لحظة واحدة.

ذاكرة العائلة والحزن والقلق

في ذلك المنزل كبرنا أنا وإخوتي، وعشنا بين جدرانه سنوات حياتنا الحلوة والمرّة. شهد طفولتنا وشبابنا، ورافق تفاصيل أيامنا العادية والاستثنائية، من لحظات الفرح والاحتفال إلى لحظات الحزن والقلق، حتّى أصبح جزءًا من ذاكرتنا وهويتنا.

كان والدي يحرص على توثيق حياتنا منذ الطفولة، فيجمع صور كل واحد منّا في ألبوم خاصّ به. تُراهُ كان يكتب تاريخ العائلة صورةً بعد صورة؟

أما والدتي، فكانت تحتفظ لكلّ ولد بقطعة ثياب مميّزة من طفولته. لتبقى ذكرى تنتقل يومًا إلى أولاده. كانت تحفظ ملابس المدرسة، والأغراض التي قد تبدوعادية للآخرين، لكنّها بالنسبة إلينا كانت تحمل قصصًا كاملة نحكيها لأولادنا.

واليوم، ما زلت أبحثُ عن تلك الصور. أبحث عن الألبومات التي تعجّ بالذكريات التي كُنّا نضحك عندما نراها، نضحك على ملامحنا ونحن أطفال وعلى تفاصيل لم نعد نتذكرها ونُخبرها لأولادنا إلاّ من خلال تلك الصور. أبحث عن الأشياء الصغيرة التي احتفظت بها أمي بعناية وكأنّها تحفظ أجزاء من أرواحنا.

في رثاء الدّهان والزوايا

والمؤلم أكثر أنني لم أتخيل يومًا أن أحزن على بيت إلى هذا الحد. قبل الحرب بفترة قصيرة، كنا نعتني به كأننا نهيئه لمرحلة جديدة. قمنا بدهان جدرانه باللون الأبيض، ورتّبنا زواياه وجدّدنا بعض تفاصيله. واليوم يخطر في بالي سؤال مؤلم: هل كُنا نودعه من دون أن نعلم؟ هل كان ذلك البياض الأخير الذي ارتداه قبل أن يختفي؟

كانت برندته الواسعة من أجمل الأماكن فيه: 100 متر من اشتهرت بها بيوت ضاحية بيروت الجنوبية التي بُنيت في التسعينات. كلّ طابق أوّل كان له شرفة كبيرة جدّا…

هناك اجتمعنا طوال 30 عاماً، نحن الإخوة مع أصدقائنا وأقاربنا. وهناك صنعنا أجمل الذكريات. ومع مرور السنوات، انتقلت الحياة نفسها إلى أولادنا، الذين ملأوا باحته الكبيرة المزيّنة بأحواض الزرع وبنافورته المميّزة، ملأؤها بالركض والضحكات والألعاب.

أسئلة الأولاد… الصعبة

حتّى أولادي ما زالوا يسألون عنه. يسألون هل سيعود؟ ومتى؟ هل سنجتمع فيه مرّة أخرى؟ هل سيعود كمان كان؟

أسئلة لا أعرف الطريق إلى إجاباتها. وأرى فيها الشوق نفسه الذي نحمله نحن. لم يبقَ منه سوى مفتاح بابه الذي أحتفظبه في حقيبتي ويُرافقني كما كان يُرافقني سابقاً.

لم يعد البيت موجودًا، لكنّه لم يغِب عنّا. ما زال حاضرًا في تفاصيلنا اليومية، في حديثنا وفي اجتماعاتنا، وفي كل مرّة نبحث عن صورة أو ذكرى ضاعت معه.

كأنّه لم يُهدم تمامًا، بل انتقل من مكانه إلى داخلنا، وبقي هناك كما هو… بيتُنا الذي لا نعرف كيف نودّعه.

 

إقرأ أيضاً: من يعيد الحياة “يا تراب الجنوب”