معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

هجوم على الأمير يزيد والطائف: 3 أهداف وانقلابٌ واحدٌ

المساعدة البصرية: حجم الخط

حين تستهدف أبواق حزب الله الموفد السعودي إلى لبنان الأميرَ يزيد بن فرحان، فهي لا تستهدف شخصاً بعينه، بل تستهدف دوراً: المملكة العربية السعودية بوصفها الضامن الإقليمي الأبرز لاتفاق الطائف، وراعية مسار الاستقرار اللبناني الذي أفرز حكومة نواف سلام. وليس صدفةً أن يتزامن هذا الاستهداف مع موجة ثلاثية المحاور: التسويق لتعديلات دستورية مبهمة، والترويج لـ”دوحة 2″، والهمس بتغيير الحكومة أو تعديلها الوزاري. ثلاثة مسارات في آنٍ واحد، تجمعها غاية واحدة: الانقلاب على منظومة السلطة التي أُرسيت بعد هزيمة حزب الله، وإعادة عقارب الساعة إلى زمن الحكم الإيراني الذي حوّل لبنان ساحةً بديلاً من أن يكون دولة.

 

لفهم حجم الاستهداف، لا بد من فهم حجم الدور. المملكة العربية السعودية ليست طرفاً عابراً في الملف اللبناني، بل هي التي رعت اتفاق الطائف عام 1989 ووقّعت عليه بنفوذها الإقليمي قبل أن تُوقَّع عليه بالأقلام. وهي التي أعادت الانخراط في الشأن اللبناني بعد هزيمة حزب الله، فكان انتخاب جوزف عون رئيساً وتكليف نواف سلام رئيساً للحكومة ثمرةً ناضجة لهذا الانخراط، وتعبيراً صريحاً عن أولوية عربية واحدة: لبنان دولة لا ساحة.

في هذا السياق، يغدو الأميرُ يزيد بن فرحان رمزاً لهذا الدور لا مجرد مسؤول تقني. فاستهدافه في الإعلام الحزبي هو رسالة مُشفَّرة واضحة: الرياض في مرمى من يريد إعادة لبنان إلى الفلك الإيراني.

حكومة سلام: قرارات لا تُغتفر

ما أشعل فتيل هذه الحملة ليس كلاماً في السياسة، بل قرارات في الحكم. فحكومة نواف سلام اتخذت في آذار الماضي قراراً تاريخياً بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله، وهو قرار لم تجرؤ أي حكومة لبنانية على الاقتراب منه في العقود الماضية. قرار يقول بوضوح إن زمن الدولة داخل الدولة قد انتهى، وإن الدولة اللبنانية لم تعد مستعدة لأن تكون شاهداً صامتاً على منظومة موازية تأتمر بأوامر طهران لا ببيروت.

هذا القرار بالذات هو ما يُريد حزب الله إسقاطه. لأن إسقاطه يعني إسقاط المنطق الذي قامت عليه الحكومة، ومن ورائها المنطق الذي يقوم عليه الطائف: حصرية السلاح بيد الدولة، وسيادة القانون على الجميع.

الطائف: الهدف الحقيقي

يتحدث كثيرون عن “فشل الطائف”، لكن الدقة تقتضي القول إنه لم يُجرَّب. فالوثيقة التي أُنجزت عام 1989 نصّت على لا مركزية إدارية موسّعة، وعلى مجلس شيوخ يُشكّل الوعاء الدستوري للطوائف، وعلى إلغاء الطائفية السياسية تدريجياً عبر هيئة وطنية لم تُشكَّل يوماً، وعلى قانون انتخاب عادل وقانون أحزاب يُؤسّس لحياة سياسية حديثة.

لم يُطبَّق شيء من هذا. بل حُوِّل الطائف إلى غنيمة تتقاسمها الزعامات، فيما أمسك حزب الله بورقة السلاح ليُبطل كل ما تبقّى من روح الوثيقة. وما حملة التشكيك في يزيد بن فرحان وفي الرياض والتسويق لـ”دوحة 2” وللتعديل الوزاري إلا الوجه الجديد للمعركة القديمة ذاتها: إبقاء الطائف حبراً على ورق، وإبقاء لبنان رهينة محور لم يبقَ منه في المنطقة سوى الأنقاض.

لا دوحة تُعيد ما انتهى

يعود الحديث عن “الدوحة 2” كلما ضاقت الحلول أمام حزب الله. والفكرة مغرية في ظاهرها، غير أن الظروف التي صنعت الدوحة الأولى اندثرت كلياً: الأسد سقط، وإيران منهكة تتفاوض على نجاتها، وحزب الله يرزح تحت ثقل هزيمة موثّقة، وحلفاؤه تبخّروا. الدعوة إلى “الدوحة 2” اليوم هي في أحسن الأحوال وهمٌ، وفي أسوئها محاولة لاستعادة نفوذ انتهى زمنه.

ما يحتاجه لبنان ليس مؤتمراً يُعيد توزيع النفوذ، بل الشجاعة على تطبيق ما اتُّفق عليه منذ ستة وثلاثين عاماً. الطائف، إن طُبِّق كاملاً، هو أفضل جواب على سراب الدوحة وأفضل ضمانة لألّا يعود لبنان ساحةً بعد أن بدأ يستعيد ملامح الدولة.

 

إقرأ أيضاً: ابراهيم الأمين: فنّ شتم الأصدقاء.. وتبجيل الأوصياء الحقيقين