معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

اختلال فصول لبنان: صيف طويل وشتاء قصير.. والساحل يتضرّر

المساعدة البصرية: حجم الخط

من ثلوج تتراجع إلى فيضانات مفاجئة، وصيف يطول على حساب الشتاء، يرصد خبراء الأرصاد الجوية كيف يعيد التغيّر المناخي تشكيل ملامح الفصول في لبنان.

 

 

مشاهد الفيضانات المدمّرة، وحرائق الغابات، وموجات الحرّ القياسية، لم تعد أحداثاً استثنائية تتصدّر نشرات الأخبار بين الحين والآخر. بل باتت جزءاً من واقع مناخي جديد يفرض نفسه على العالم… فكيف أثّر هذا التغيّر المناخي على حياة اللبنانيين؟

الطقس الذي اعتاد الناس على انتظامه لعقود طويلة أصبح أكثر تقلباً وتطرفاً، في مشهد يعكس بوضوح تسارع وتيرة التغير المناخي وتأثيراته المتزايدة على مختلف الدول، ومنها لبنان.

يُرجع رئيس دائرة التقديرات السطحية في مصلحة الأرصاد الجوية، محمد كنج، السبب الأساسي للتغيّر المناخي إلى الارتفاع المستمرّ في انبعاثات الغازات الدفيئة الناتجة عن التلوث، وفي مقدمتها غازا ثاني أوكسيد الكربون والميثان، اللذان يرتبطان بشكل مباشر بالأنشطة الصناعية واستهلاك الوقود الأحفوري.

ويؤكد كنج في حديث لموقع “الدّولة” أنّ استهلاك البترول ومشتقاته أسهم بشكل كبير في زيادة انبعاثات الغازات الدفيئة، مشيراً إلى أنّ هذه الانبعاثات شهدت ارتفاعاً ملحوظاً منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، نتيجة التوسع الصناعي الكبير الذي شهده العالم.

فيضانات لبنان… في أوقات قصيرة

يُعدّ ارتفاع تركيز الغازات الدفيئة العامل الرئيسي وراء ظاهرة الاحتباس الحراري، التي تؤدي إلى ارتفاع متوسط درجات حرارة الأرض وإحداث تغيرات جوهرية في الأنظمة المناخية. ويشير كنج إلى أنّ موجات الحرّ والفيضانات تمثّل أبرز مظاهر التطرّف المناخي، إذ تشهد بعض المناطق فترات طويلة من الجفاف والحرارة المرتفعة، ما يجعلها أكثر عرضة لحرائق الغابات، فيما تواجه مناطق أخرى أمطاراً غزيرة تتساقط بكميات استثنائية خلال فترات زمنية قصيرة، مسببة فيضانات مدمرة.

ويضيف أن هذا النمط من التطرف المناخي أصبح أكثر وضوحاً في لبنان، حيث باتت كميات كبيرة من الأمطار تهطل خلال ساعات قليلة، مسببة ما يعرف بالفيضانات الفجائية، التي تُعد من أكثر الكوارث الطبيعية تسبباً بالخسائر البشرية والمادية.

السواحل هي الأكثر تأثّراً

عن تأثير الاحتباس الحراري على الأنظمة الجوية، يوضح كنج أن ارتفاع حرارة الأرض يؤدي إلى زيادة حرارة البحار والمحيطات، وبالتالي ارتفاع معدلات التبخّر وتراكم كميات أكبر من بخار الماء في الغلاف الجوي، الأمر الذي ينتج عنه هطول أمطار غزيرة خلال فترات زمنية قصيرة، ويجعل الأحوال الجوية أكثر تقلباً وتطرفاً.

أما المناطق الأكثر عرضة لمخاطر التغير المناخي، فهي المناطق الساحلية والمنخفضة المهددة بالفيضانات وارتفاع مستوى سطح البحر، إضافة إلى الغابات التي تواجه مخاطر متزايدة نتيجة الجفاف والحرارة المرتفعة، فضلاً عن المناطق شبه الجافة التي تعاني مزيداً من التصحر وشح المياه.

لبنان: ثلوج على الساحل… وصيف طويييل

رغم صغر مساحة لبنان، إلا أنّه ليس بمنأى عن هذه التحوّلات. فقد أصبح اللبنانيون يلاحظون تغيراً واضحاً في طبيعة الفصول. ويشير كنج إلى تراجع تساقط الثلوج على المرتفعات المنخفضة، وامتداد فصل الصيف لفترات أطول، مقابل تقلص فصل الشتاء وتأخّر بدايته إلى شهر تشرين الثاني وانتهائه في شهر شباط.

ربيع باكر… وخريف طويييل

كما شهد لبنان خلال السنوات الأخيرة درجات حرارة استثنائية حتى خلال شهري كانون الأول وكانون الثاني، فيما بات فصل الربيع يبدأ في وقت أبكر، وأصبح الخريف يمتد على حساب الشتاء، ما أدى إلى تداخل الفصول وتغيير خصائصها المناخية المعهودة.

ويشير كنج إلى أن لبنان بدأ يشهد خلال السنوات الأخيرة تزايداً في ظاهرة الأمطار الغزيرة خلال فترات قصيرة، كما حصل في الفيضانات التي شهدتها منطقتا جونية وضبية، حيث تسبّبت كميات كبيرة من الأمطار خلال وقت وجيز بانجرافات في التربة وقطع للطرقات.

ويضيف أن العام الماضي كان الأكثر جفافاً في تاريخ الأرصاد الجوية، إذ لم تتجاوز كمية المتساقطات في بيروت 400 ملم، وهو مستوى لم يُسجل منذ أكثر من تسعين عاماً. أما هذا العام، فقد اقتربت كميات الأمطار من معدلاتها الطبيعية، بل تجاوزتها في بعض المناطق الشمالية، ما ساهم في تحسين مخزون المياه الجوفية.

هل لبنان مهدّد بموجات حر شديدة؟

يوضح كنج أنّ درجات الحرارة خلال اليومين الأخيرين، في بداية شهر تموز، تبقى ضمن معدّلاتها الموسمية، بل دونها في بعض المناطق. إلا أنّ لبنان سيتأثر يومي السبت والأحد بكتل هوائية حارّة قادمة من شبه الجزيرة العربية، ما سيرفع درجات الحرارة فوق معدلاتها الطبيعية، ولا سيما في المناطق الداخلية والمرتفعات والبقاع، بينما سيكون تأثيرها أقل على الساحل.

ويؤكد أنّ لبنان هذا العام لن يتعرّض لموجات حر شديدة خلال شهر تموز، في حين ترتفع احتمالات حدوثها خلال شهر آب، لافتاً إلى أنّ طبيعة لبنان الجغرافية وتنوع تضاريسه بين الساحل والجبال والبقاع تمنحه قدرة أكبر على التكيف مع التغيرات المناخية مقارنة بدول أخرى.

التكيف ضرورة لا خيار

ويشدّد كنج على أنّ الحدّ من تداعيات التغير المناخي يتطلب اعتماد أنظمة الإنذار المبكر للحدّ من مخاطر الفيضانات والظواهر الجوية المتطرفة، إضافة إلى الإدارة المستدامة للموارد المائية، وإنشاء السدود وقنوات تصريف المياه، وتحديث البنية التحتية.

كما يؤكد أهمية التوسع في استخدام مصادر الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة المائية، إلى جانب تعزيز الزراعات المقاومة للجفاف ونشر الوعي المجتمعي حول سبل التكيف مع التغيرات المناخية.

وفي ظل عالم تتبدل فيه ملامح الفصول وتتزايد فيه الظواهر المناخية المتطرفة، لم يعد التغير المناخي مجرد قضية بيئية أو علمية، بل أصبح تحدياً وجودياً يفرض على الدول والمجتمعات إعادة النظر في سياساتها وأنماط عيشها، استعداداً لمستقبل مناخي مختلف تتزايد فيه الحاجة إلى التكيف والوقاية أكثر من أي وقت مضى.

 

إقرأ أيضاً: كيف نحارب التوتّر السياسي… بالأكل؟