سقطت معادلة “حماية الأقليات” التي حكم الأسد على أساسها وابتزّ بها المجتمع الدولي لعقود، لكن يبقى السؤال معلّقاً: أي دولة تنتظر المكوّنات المتعدّدة في سوريا الجديدة؟
في هذا الحوار، يناقش الباحث والصحفي، إبن مدينة حلب، روجيه أصفر التحدّيات التي تواجه السلطة السورية الجديدة في إدارة التنوّع، ودور المؤسسة الكنسية بعد سقوط النظام، وهجرة المسيحيين وسؤال العودة الذي لا يملك جواباً سهلاً، واشكالية اللامركزية الإدارية: هل تشكّّل حلاً إدارياً قد يخفف بعض الاحتكاكات؟
بعد أشهر على المرحلة الجديدة، هل ترى أنّ سوريا تعيش بالفعل لحظة تأسيسية لبناء مؤسسات الدولة؟ وما المؤشرات الميدانية والسياسية التي تدعم هذا الانطباع أو تنفيه، وما أبرز المخاطر التي قد تبدّد هذه الفرصة؟
كـ”لحظة”، نعم، لكن هل هذا الفعل فعل تأسيسي؟ لا، ليس تأسيسياً بما فيه الكفاية.
ففي كثير من الملفات التي لم ترعَ اللحظة التأسيسية بالشكل المناسب: لا الحوار الوطني كان جدّياً، ولا الإعلان الدستوري جاء بمستوى كافٍ من الجودة، ولا مجلس النواب انطلق بطريقة سليمة أو تشكّل بأسلوب مناسب، إذ شهدنا الكثير من التعيينات لأشخاص قد يكونون جيدين، لكنّهم غير مناسبين للمناصب التي أوكلت إليهم.
لذلك أعتقد أنّ العمل على اللحظة التأسيسية جاء دون المستوى المطلوب بكثير.
بعد أشهر على المرحلة الانتقالية، ما الخطأ الأكبر الذي تخشى أن ترتكبه السلطة الجديدة في إدارة التنوّع السوري؟ وما القرار الذي ترى أنّه لا يحتمل التأجيل إذا كانت تريد كسب ثقة جميع المكونات؟
الخطأ الأكبر الذي ترتكبه السلطة الجديدة في إدارة التنوع هو مجموعة من الأخطاء، منها التعامل مع رجال الدين باعتبارهم ممثلين للمجموعات الدينية، بدلاً من التعامل مع المواطنين كمواطنين بغض النظر عن خلفياتهم الدينية. فإعادة إنتاج دور القادة الدينيين كوسطاء إلزاميين، خاصّة في حالة الأقليات، بين السلطة والشعب، هو استمرار لنهج الأسد، وهذا أمر بالغ الخطورة ولا يسهم في بناء دولة المواطنة.
وعن القرار الذي لا يحتمل التأجيل، فعليّا لا يوجد جواب دقيق له، لكنّني أعتقد أنّ كل ما ذُكر سابقاً بما يتعلّق باللحظة التأسيسية، من عقد مؤتمر وطني جدي، وتعديل الإعلان الدستوري، وتشكيل مجلس نوّاب أفضل، وإقرار قانون للأحزاب، وسواها من الأمور، يبقى في صلب الأولوية. إضافة إلى مواجهة خطاب الكراهية، وضبط الوضع الأمني، والمعالجة الصحيحة للأخطاء الفادحة، ولا أريد الاستفاضة أكثر.. كالتي وقعت في السويداء وفي الساحل.
إلى أي مدى تدرك السلطة الانتقالية أنّ طريقة تعاملها مع ملف التنوع والمكونات ستكون أحد أهم معايير الحكم على نجاح مشروعها في بناء الدولة، لا مجرد ملف حقوقي أو أمني جانبي؟
من قال إنّ هذه هي أهم معايير الحكم؟
المسألة تحتاج إلى تدقيق… نحن لا نستطيع أن نحكم على نيّة رجالات السلطة، إذ لا سبيل لمعرفة هذه النيّة، وإنّما نستطيع أن نحكم أو نحلّل أو نبدي رأياً استناداً إلى الأفعال.
من قال إنّ مشروع هذه السلطة هو حسن التعامل مع ملف التنوع؟
وهناك عدة وجهات نظر، لكنّ طريقة التعامل مع ملف التنوع هي طريقة فاشلة، وتكرّس وتكرر أسلوب الأسدين في التعامل مع التنوّع، وهو أسلوب خاطئ.
لكن ما مدى قدرة هذه الأقليات على التأثير في مسار الحكم؟
سؤال يجب أن يُطرح، وأعتقد أن هذه القدرة ضعيفة جداً.
الذي يهمني ليس ملف التعامل مع الأقليات، بل الذي يهمني هو دولة مواطنة حاضنة للتنوع، أكون فيها كمثلك تماماً، ومثل الآخرين جميعاً.
هذا ما يهمني، ولا يهمني أن يُتعامل معي كأقلية أو كأكثرية أو أي تصنيف آخر. وقد نتحدّث عن أكثرية وأقلية بالمعنى السياسي، لكن الأهم أن يكون ذلك عابراً للانتماءات الإثنية والدينية والطائفية.
إلى أي مدى كان الخوف لدى الأقليات نابعاً من التجربة، وإلى أي مدى ساهمت السلطة السابقة في ترسيخه واستثماره سياسياً؟ وما أثر ذلك على علاقة الأقليات بالدولة حتى اليوم؟
خوف الأقليات فيه شيء من الإسلاموفوبيا غير المحقّة وغير المستندة إلى أسس دقيقة، ويوجد أيضاً ما هو مستند إلى وقائع حصلت، سواء خلال الثورة السورية والحرب الأهلية التي تلتها، أو حتّى في السنوات التي سبقتها.
ولكن كما أنّ لديهم أسباباً محقّة وأخرى غير محقّة، فإن لديهم أيضاً نمطية جامدة (stereotyping) تجاه الآخر، وفي كثير من الأحيان لا تقع المسؤولية على طرف واحد فقط، وهو الأكثرية السنية، بل المسؤولية تقع على الطرفين. وأكيد أنّ هناك أطرافاً تتحمّل مسؤولية أكبر من غيرها، لكن هناك تراكماً طويلاً من سوء الفهم والصور النمطية وضعف التواصل، يحتاج إلى عمل مركّز ومدروس وطويل الأمد كي يُحلّ، وللأسف ليس هناك الكثير من هذا العمل يجري حالياً.
من الاتهامات الموجّهة للسلطة الجديدة في سوريا تذويب المكونات الطائفية رغم الاعتراف بها نظرياً. بمعنى السعي لإلغاء الخصوصيات الهوياتية لجماعات معينة بحجة أنّها تفتت “الانتماء السوري” الجامع. ما رأيك بذلك؟
لا.. لا أرى هذا الأمر على الإطلاق، ولا أتفق مع هذا الطرح.
هل يمكن لخطاب التعايش والتسامح أن يضمن الاستقرار في بلد كسوريا لفترة طويلة بدون أن يستند لعقد اجتماعي دستوري واضح مبني على المساواة؟ إلى أي مدى يمكن الاتكال على المباردات الأهلية لبناء مجتمع سوري مستقر؟
لا.. الاستقرار على صعيد إدارة التنوع يأتي من المواطنة الحاضنة للتنوّع، المواطنة التي تسمح للجميع بممارسة معتقداتهم وثقافتهم وطقوسهم تحت مظلّة قانونية تساوي بين الجميع في الحقوق والواجبات.
وأمّا خطاب التعايش والتسامح، فلديّ اعتراض على الكلمتين بحد ذاتهما، وأفضّل عوضاً عنهما مفهومي العقد الاجتماعي ودولة المواطنة. فالمبادرات الأهلية قد تخفف أو تلغي أو تعالج توتراً محلياً هنا أو هناك، لكنّها ليست وسيلة أو أداة للتعامل مع هذه المواضيع على المدى الطويل.
هل تعتقد أنّ المرحلة الحالية من عمر سوريا والظروف السياسية الإقليمية والدولية تتطلّب تأجيل معالجة ملفات داخلية شائكة مرتبطة بمسائل الانتماء والعدالة كما هو الحال في ملف الدروز والكرد والعلويين؟
لا.. دائماً قد تكون لدينا حجج محقّة أو غير محقّة أو بين بين لتأجيل بعض الملفات. ملف العدالة الانتقالية هو ملف أساسي وذو أولوية، والأمر نفسه مرتبط طبعاً بملف السلم الأهلي، وملف الدروز والكرد والعلويين، مع الاختلافات القائمة بينها، فهي جميعاً ملفات أساسية وضرورية وذات أولوية.
هل تعتقد أنّ الحديث عن “حقوق الأقليات” يجب أن يبقى قائماً في سوريا الجديدة، أم أنّ الهدف النهائي يجب أن يكون تجاوز هذا المفهوم لمصلحة مواطنة متساوية يكون فيها الانتماء إلى الدولة هو الأساس، لا الانتماء إلى الجماعة؟
لا، أنا لست مع حقوق الأقليات، أنا مع حقوق المواطنين، فكلّنا مواطنون متساوون. فالمسلم السنّي مثلا، له كامل الحق في أن يصوم ويصلّي وما إلى ذلك، وأنا أيضاً لي هذا الحق. أمّا حقوق الأقليات فتعني أنّ هناك تفاوتاً في الحقوق والواجبات، وهو أمر مرفوض. كلنا مواطنون، والقاعدة بسيطة جداً: بين من ينتمي دينياً أو طائفياً أو ثقافياً أو إثنياً إلى أقلية، ومن ينتمي إلى أكثرية، القاعدة بسيطة جداً: أنا مثلك، وأنت مثلي. هذا كل ما في الأمر.
بعد التحولات الجسيمة التي شهدتها سوريا، ما الدور الذي ينبغي أن تضطلع به الكنائس اليوم؟ هل يقتصر دورها على الرعاية الروحية والاجتماعية، أم أن المرحلة تفرض عليها إعادة تعريف علاقتها بالشأن العام دون أن تتحول إلى بديل عن العمل السياسي والمدني؟
دور المؤسسة الكنسية، بالتأكيد، هو الرعاية الروحية والدينية والاجتماعية، ومراجعة الماضي والتعامل مع نتائج هذه المراجعة، وعدم تصدّر المشهد السياسي باسم تمثيل المسيحيين.
فالمسيحيون هم مواطنون في الدّولة، لا يمثلهم رجل الدين، ولا يتدخل رجل الدين في اختيار النواب ولا في التعيينات التي قد تُخصص للمسيحيين جدلاً.
إذاً، المطلوب مراجعة للماضي، والتعامل مع نتائج هذه المراجعة، وترك الشأن العام والدور السياسي للمواطنين.
لا نريد أن نكرّس طائفية سياسية، ولا نريد أن يكون لرجل الدين دور سياسي. له رأي سياسي، نعم، لكن ليس له الدور السياسي. له رأي سياسي بصفته مواطناً بالدرجة الأولى، فهو مواطن قبل أن يكون رجل دين، وله رأي سياسي بوصفه بوصلة أخلاقية.
أما أنا كمواطن، فإذا عرّفت عن نفسي كمسيحي، فقد ألتزم بذلك وقد لا ألتزم به بالمعنى السياسي والشأن العام
بالمعنى السياسي وفي الشأن العام.هل تعتقد أن سقوط النظام غيّر نظرة المسيحيين إلى مفهوم الدولة، أم أنّ البحث عن الضامن الأمني ما زال يتقدم على فكرة الدولة والمؤسسات؟
أي مفهوم للدولة لدى المسيحيين؟ هل الشكل الذي كرّسه حافظ الأسد وبشار الأسد هو دولة؟ أي دولة؟ وهل هي الدّولة التي نريدها؟ أم أنّه الحد الأدنى الذي يمكن أن يتحقق، وهو يلبي لنا حقوقنا على حساب الآخرين؟ سؤال صعب جداً.
يُطالب المسيحيون ومؤسساتهم اليوم بمراجعات نقدية لعلاقتهم بالسلطة السابقة، هل ترى أنّ بقية المكونات والأطياف الوطنية والسياسية مطالبة أيضاً بمراجعات مماثلة، أم أنّ خطاب المراجعة يُحَمَّل لطرف دون آخر؟
دون تعميم، فليس كل المسيحيين ولا كل المؤسسات معنيين بالأمر ذاته، لكن الجميع مطالبون بهذا الأمر.
فالأقليات، بالمعنى العلوي والمسيحي أكثر من الدرزي، كان هناك انطباع عام بأنّها أقرب إلى السلطة ومؤيدة لها خلال الثورة والحرب الأهلية.
أمّا الدروز فكان موقفهم أقرب إلى الوسطية، وضوحاً أو غموضاً، وأعتقد أنّ هذا كان خياراً حكيماً من جانبهم.
وكذلك السنّة عليهم أن يراجعوا أيضاً، ولو لتبديد وهمٍ مفاده أنّ السنّة لم يكونوا جميعاً معارضين، فقد كان كثير منهم مؤيدين للنظام وما زالوا معارضين للسلطة الحالية ويفضّلون النظام عليها. وفي المقابل، كثير من السنّة المؤيدين للثورة، وكذلك مؤيدون للثورة وداعمون لها من طوائف أخرى، سكتوا أو تغاضوا أو شاركوا معنوياً أو مادياً في انتهاكات ارتكبتها فصائل محسوبة على الثورة، أو شاركوا في الحرب الأهلية التي تلتها بحق آخرين، أو بحق المعارضين أنفسهم.
فالمراجعة مطلوبة من الجميع، لا من المسيحيين وحدهم. لكن كلّ ما كنت أعنيه هو أن تقوم الكنائس بمراجعة للماضي، وأن تعمل على التعامل مع ما تُفضي إليه هذه المراجعة: هل أخطأنا؟ وكيف نُصلح خطأنا؟
هل أصبحت الهجرة بالنسبة إلى كثير من المسيحيين قراراً نهائياً بفقدان الثقة بالمستقبل، أم أنّها ما زالت خياراً مؤقتاً بانتظار استقرار سياسي واقتصادي؟ وهل يمكن للتعافي الاقتصادي وحده أن يعيد من هاجر، أم أنّ استعادة الثقة السياسية والمؤسساتية شرط لا يقل أهمية؟
المسيحيون في سوريا، من حيث الهجرة والاستقرار واستدامة العيش، ينطبق عليهم ما ينطبق على كثير من السوريين إن لم يكن جميعهم، وليس لديهم ظروف استثنائية، وإن كانت ظروفهم أفضل قليلاً بسبب حالة التضامن الكبيرة بين المسيحيين والدور الاجتماعي والإغاثي للمؤسسة الكنسية.
لكن قد يكون المسيحيون أكثر حساسية تجاه بعض الأمور المتعلقة بالحريات وبالمساحة العامة وما شابه، وهذا موضوع يطول شرحه ويتعقد تفسيره.
نعم، المسيحيون أميل إلى الهجرة، ولا ننسى أيضاً أنّ كل السوريين، بمن فيهم المسيحيون، أُرهقوا خلال الأربعة عشر أو الخمسة عشر عاماً الماضية، ولم تعد لديهم الطاقة ولا الرغبة حتى في تجربة شيء جديد.
هذه السلطة اليوم في سوريا قد تأخذ سوريا إلى مكان أفضل بكثير، وقد تأخذها إلى مكان أسوأ، لكن الناس، بكل بساطة، ولو آمنوا بأنّ هذه السلطة يمكن أن تأخذهم إلى مكان أفضل بكثير، يقولون: حسناً، ربما، لكننا تعبنا كثيراً ولم يعد بإمكاننا التحمل، شكراً جزيلاً، وداعاً.
وهذا خيارهم، وأنا أحترمه.
هل ترى أنّ اللامركزية الإدارية الموسّعة تشكّل ضمانة أفضل للمكونات السورية من الاعتماد على حسن نيّة السلطة المركزية؟ وهل يمكن تطبيقها دون أن تتحوّل إلى مقدّمة للتقسيم السياسي أو إلى تكريس لموازين القوى المحلية؟
اللامركزية الإدارية الموسّعة قد تحل بعض المشكلات، خاصّة مع الدروز بشكل مؤقّت على الأقل، ومع الكرد. لكن هذا أيضاً يعيدنا إلى مسألة المواطنة الحاضنة للتنوع، أي إنه سواء كان شكل الدولة دولة مركزية قوية أو دولة فيها لامركزية موسعة، يبقى عليّ أن أمنح مكونات التنوع حقوقها في عيش تنوعها. وأرى أنّ موضوع اللامركزية لا يتعلّق كثيراً بالتنوع بمعناه الديني والطائفي والإثني والثقافي، بل يتعلّق بمعنى إدارة الموارد والشؤون الإدارية..
وفي هذا السياق، فإنّ اللامركزية مفيدةٌ أيضاً، إذ يبدو أنّ هناك مشكلةً كبيرةً في التنمية وحل المشكلات في حلب بسبَبِ مركزيةِ دمشق. وذلك يعودُ إلى انتظار قراراتٍ مركزيةٍ صادرةٍ عن الوزارات في دمشق (وهذا مجردُ مثالٍ)، مما يعرقلُ سيرَ الأعمالِ بشكلٍ كبير.
ثمّة من يرى ضرورة تأجيل ملفات العدالة والانتماء الشائكة لمصلحة الاستقرار المباشر، هل هذا التأجيل ضرورة مرحلية أم أنّه يزرع بذور انفجار مستقبلي أشد خطورة؟
لا يمكن تأجيل ملف العدالة لمصلحة الاستقرار، لأنه لا استقرار من دون عدالة. فغياب العدالة الانتقالية أو تأخرها أو انتقائيتها يؤدي إلى اشتباكات وانتقامات فردية تصيب الاستقرار في مقتل. فهذان الملفّان لا يمكن فصلهما ولا يمكن تأجيلهما.
بعد التجربة السورية القاسية، هل تعتقد أنّ السوريين باتوا أكثر استعداداً لتحمّل كلفة الانتقال السياسي في سبيل بناء دولة حرة، أم أنّ هاجس الاستقرار ما زال يتقدّم على مطلب الحرية؟
هاجس الاستقرار موجود بالطبع، وهو مطلب خارجي وإقليمي ومحلي. لكن كيف نبني استقراراً؟ هذا سؤال مهم. فأنا يمكنني أن أسلّم البلد لشخص مثل صدام حسين أو حافظ الأسد يضمن لي الاستقرار في البلد، ويمنع أي مشاريع إرهابية، داعش أو إسلاميين أو ما شابه، ويمنع الناس من الهجرة أو اللجوء عبر موجات اللجوء التي حصلت في السنوات السابقة من قبل السوريين إلى دول مختلفة، ومنها إلى أوروبا، لكن بأي طريقة؟ بالقمع.
وبالتالي، نكون في هذه الحالة قد أسسنا استقراراً على أسس غير صحيحة، وسيأتي يوم، ولو طال هذا الاستقرار وانفرج، كما حصل في أيام بشار، فيصنع كوارث. بناء الاستقرار يجب أن يتم على أسس صحيحة، منها إدارة تنوع صحيحة، واحترام حقوق الإنسان، والحريات، وحد معين أو شكل معين من أشكال الديمقراطية. وهذا ما أطالب به: إن البناء الصحيح للاستقرار مكلف وطويل ومعقد وغير سهل.
هل تعتقد أنّ الجيل المسيحي الشاب الذي نشأ في ظل الحرب ينظر إلى سوريا بنفس الطريقة التي نظر إليها آباؤه، أم أننا أمام قطيعة ثقافية ونفسية يصعب ترميمها؟
أكيد، إنّ الجيل المسيحي الشاب لا ينظر إلى سوريا كما ينظر إليها الآباء، أو حتى الإخوة الأكبر سناً. فهناك فرق هائل بيني وبين أخي الصغير، والفرق بيننا عشر سنوات.
وهناك جيل مختلف أصلاً، حتى خارج السياق السوري ومن دون حروب، إذ إنّ الفرق بين جيلي والجيل الأصغر مني بعشر أو خمس عشرة سنة فرق هائل، أكبر بكثير من الفرق بيني وبين الجيل الأكبر مني بالمقدار نفسه.
والحرب بالطبع أحدثت أمراً آخر، فأنا أعرف سوريا وهم لا يعرفونها، ووالدي يعرفها أكثر مني ومنهم، وهم لا يعرفونها.
-هل تعتقد أنّ عودة المسيحيين الذين غادروا سوريا ستبقى مرتبطة بتحسّن الظروف الأمنية والاقتصادية، أم أنّ التحدّي الحقيقي أصبح استعادة شعورهم بأنّ لهم مستقبلاً ودوراً في وطنهم؟ وما الذي يمكن أن يعيد هذا الشعور عملياً؟
عودة المسيحيين أمر صعب جداً… سوريا اليوم في وضع شديد التعقيد، وتواجه عدداً يكاد لا يُحصى من التحدّيات. ولو وضعنا أفضل سلطة في العالم لإدارة سوريا، فإنّها تحتاج إلى ما لا يقل عن عشر سنوات لتعود إلى ما كانت عليه عام 2011، وأنا أتحدّث عن سوريا كلها، لا عن دمشق وحدها أو حلب أو اللاذقية، بل عن البلد ككل.
فالعودة ليست أمراً سهلاً، وأعتقد أنّ من تجنّس في الخارج يصعب عليه أن يعود، وإن عاد فلن يطول بقاؤه، لأنّ هناك من لديه ارتباط عاطفي بالبلد وصورة متخيلة عنه لم تعد موجودة، فيصدم بهذا الواقع ويعود ليرحل من جديد. وهذا لا ينطبق على المسيحيين فقط بالمناسبة.
إذا التقينا بعد عشر سنوات، ما المؤشرات التي ستجعلك تقول إنّ سوريا نجحت في بناء دولة مواطنة يشعر فيها المسيحي بأنّه مواطن كامل الحقوق، لا أقلية تبحث عن الحماية؟
النصوص الدستورية، وشكل الحياة السياسية، ووجود الأحزاب، والحرّيات العامة، وطريقة إدارة التنوّع، كلّها أمور تصب في موضوع بناء الدولة. وأنا هنا أتحدّث عن هذه الأمور التي أسمّيها الجانب النظري، وله بُعد نظري يشمل أيضاً العقد الاجتماعي، إضافة إلى الجانب الآخر المتعلق بإعادة الإعمار والبنى التحتية والمدارس والجامعات والمستشفيات. وأعتقد أنّ هذه هي المؤشرات الأساسية.
أمّا التحدي الخاص بالشأن السوري، فهو أنّ دولة حُكمت بالديكتاتورية عقوداً طويلة، ثم جاء بعدها شخص تاريخه معقّد وغير مشجّع، فإنّ التحدي الأكبر هو الحريات، والديمقراطية، والحياة السياسية.
إقرأ أيضاً: بنت جبيل… يا خجلنا من أنفسنا!