معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

من رشّ الأرز على إسرائيل.. يرشّ السمّ على نواف سلام

المساعدة البصرية: حجم الخط

من صفّق للاحتلال بالأمس، هو نفسه من يرفض اليوم رفع العلم. هي الأرض نفسها، والبلدات نفسها، والناس في معظمهم هم أنفسهم. الجنوب هو الجنوب، ولم يتغيّر المكان، لكنّ الزمن تبدّل، وتبدّلت معه المواقف والمقاييس.

 

اجتياح 1982: الأرز والورود لجيش الاحتلال

كنت في مقتبل العمر عندما اجتاح جيش الاحتلال الإسرائيلي جنوب لبنان عام 1982. ورغم أنّ ذلك الاجتياح كان احتلالاً عسكرياً بكل ما تعنيه الكلمة، فإنّه يختلف في جوانب كثيرة عن الاجتياحات التي شهدتها بعض قرى الجنوب، ومنها زوطر الشرقية، في عامي 2025 و2026.
في اجتياح 1982، لم تشهد قرانا موجات النزوح والتهجير الجماعي التي عرفناها اليوم، ولم تُمحَ بلدات بكاملها عن الخريطة، ولم تُسجَّل مئات وآلاف الشهداء والضحايا والجرحى كما حصل في السنوات الأخيرة. ولعلّ أحد أسباب ذلك كان انسحاب فصائل منظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية من معظم الجنوب، مع بقاء جيوب مقاومة محدودة، أبرزها قلعة الشقيف، الأمر الذي جنّب كثيراً من القرى معارك مدمرة.
لكن ما بقي محفوراً في الذاكرة أكثر من كل شيء آخر لم يكن الجانب العسكري، بل المشهد الأخلاقي والسياسي الذي رافق دخول جنود الاحتلال إلى بعض القرى، إذ اصطف بعض الأهالي على جانبي الطرقات لاستقبال الجنود الإسرائيليين، ورُشَّت عليهم حبات الأرز والورود، وتعالت الزغاريد والهتافات ترحيباً بجيشٍ كان يحتل الأرض ويصادر السيادة.

من الترحيب إلى العمالة

كان ذلك المشهد صادماً، ولا يزال. وقد برّره أصحابه يومها بالرغبة في التخلّص من السلاح الفلسطيني الذي اعتبروه عبئاً على الجنوب. لكنّ تلك اللحظة فتحت، لاحقاً، أبواب التنسيق والتعاون مع الاحتلال، ثم العمالة المباشرة، فقدّم بعض الأشخاص أنفسهم للأجهزة الأمنية الإسرائيلية ولجيش سعد حداد، وشاركوا في الوشاية بالوطنيين، فاعتُقل كثيرون، واضطر آخرون إلى الفرار أو المنفى. بل إنّ بعض المتعاونين كانوا يقولون لخصومهم في وضح النهار: “لقد انتهى زمنكم، وجاء وقت محاسبتكم”.
ذلك كان بالأمس.

اليوم: عودة الدولة وسط الرفض

أمّا اليوم، وبعد النكبة الكبرى التي أصابت الجنوب من دمار وتهجير ومسح بلدات كاملة من الوجود، ومع بدء الدولة اللبنانية، بإمكاناتها المحدودة، استعادة حضورها في المناطق المحررة، ودخول الجيش اللبناني إلى أولى البلدات شمال الليطاني يرافقه رئيس الحكومة وعدد من الوزراء، كان المنتظر أن يكون المشهد مختلفاً.
كان المنتظر أن تُستقبل الدولة بما تستحقه من احترام وتقدير وطني يؤكّد الولاء والهوية اللبنانية، وأن يُستقبل الجيش اللبناني بوصفه جيش الوطن لا جيش فئة، وأن يُرفع العلم اللبناني باعتباره رمز السيادة الوطنية الجامعة.
لكن ما حدث كان على النقيض، فقد علت أصوات الإدانة، وانطلقت حملات التحريض والشتائم، حتى وصل الأمر إلى الاعتراض على رفع علم الوطن فوق أرض لبنان.

أسئلة تفرض نفسها
هنا يفرض السؤال نفسه: أليس الجيش اللبناني أولى برش الأرز والورود من جيش الاحتلال؟ أليس جنود الوطن أحقّ بالزغاريد من جنود الغزو؟ أليس من الطبيعي أن يُستقبل من يحمل راية الدولة بما لم يُستقبل به المحتل؟ وأليس من المفارقة أن يُقابَل حضور الدولة بالاعتراض، فيما استُقبل الاحتلال في الماضي بالحفاوة في بعض البلدات، ومنها بلدتي زوطر الشرقية، حين شهدت مدرستها الرسمية، ونحن مجموعة من الطلاب، تظاهرة احتجاج على زيارة سعد حداد، وهتفنا رفضاً لها؟ وأذكر جيداً ما وُجِّه إلينا يومها من أوصاف مثل “الزعران” و”بلا تربية”، بل إنّ بعضهم قدّم اعتذاراً لحداد عن تصرفاتنا، وكأنّها لا تمثل المدرسة ولا البلدة.

ازدواجية المعايير

إنّ المفارقة المؤلمة ليست فقط في اختلاف المشهدين، بل في انقلاب المعايير. فما عُدَّ عند البعض مبرراً في الأمس أصبح مستنكراً اليوم، وما مُنح للمحتل يُبخل به على الدولة، وما قُدِّم لجيش غازٍ يُمنع عن جيش الوطن.
إنّ التاريخ لا ينسى الصور، ولا يمحو المواقف. وبين من رشّ الورد على الاحتلال، ومن يرشق اليوم الدولة والجيش بالشتائم، تبقى الحقيقة واحدة: لا يمكن أن تُبنى الأوطان بازدواجية المعايير، ولا أن تُصان السيادة في ظل هذه الازدواجية، بحيث يكون ما كان بالأمس حلالاً، وما هو اليوم حراماً. فحين يصبح تكريم الدولة موضع إدانة، فيما يُبحث دائماً عن المبررات لمن سبق أن استقبل المحتل، تكون المعايير قد انقلبت بالكامل.

بين الأمس واليوم: من يتغيّر؟

وإذا كان ما جرى عام 1982 وصمة عار في ذاكرة الجنوب، فإنّ تحويل مناسبة عودة الدولة إلى مناسبة للتحريض والكراهية هو عارٌ من نوع آخر، لا يقل خطورة. ففي النهاية، يبقى الوطن هو المعيار، ويبقى الجيش اللبناني جيش جميع اللبنانيين، والدولة وحدها هي التي تقرّر على أرضها.
وفي خلاصة القول: هل يبقى هؤلاء، في كل زمان ومكان، أسرى المشهدية نفسها، والاعتراض ذاته على رفع علم الوطن فوق أرض لبنان؟

 

إقرأ أيضاً: الحزب يمهّد لإسناد ثالث… هذه التفاصيل