بين زوطر الغربية المحرّرة وزوطر الشرقية المحتلّة، يروي أحد أبناء المقاومة الوطنية أحمد اسماعيل، الذي دفع عشر سنوات من عمره أسيرًا في المعتقلات الإسرائيلية، كيف بدت له الدولة أخيرًا حاضرة وسط الركام، وكيف صار حلم التحرير القديم مرتبطًا اليوم بعلمٍ واحد وجيشٍ واحد لا غير.
مسار المقاومة بين التحرير والدولة
كجنوبي أنتمي إلى هذه الأرض، أفنيت سنواتٍ من عمري في خدمتها بصمت، قبل أن ينكشف أمري بعد أسري وقضائي عشر سنوات في المعتقلات الإسرائيلية. يومها خرج اسمي من دائرة السر إلى العلن، وتناقلته الناس ووسائل الإعلام بوصفه واحدًا من أبناء المقاومة الوطنية اللبنانية الذين حملوا همّ تحرير الأرض، لا طلبًا لمكسب، ولا سعيًا إلى سلطة أو إلى جاه.
في تلك المرحلة، كان انتمائي واضحًا لا التباس فيه. تحت راية العلم اللبناني وحده، كان الهدف تحرير الأرض وبناء الإنسان، وإقامة دولة يسودها القانون والعدالة والحرية. كنت أحلم أن تنتهي صفة “المقاوم” يوم يتحقق التحرير، لأعود مواطنًا عادياً، أمارس حقوقي وأؤدي واجباتي، من دون امتيازات، ومن دون أن أكون أعلى شأنًا من أي لبناني آخر.
غير أنّ آخرين اختاروا طريقًا مختلفًا. فبعد تحرير عام 2000، لم يرغبوا في العودة إلى كنف الدولة، بل سعوا إلى تكريس واقع موازٍ لها. تحولت المقاومة عندهم من وسيلة لتحرير الأرض إلى مشروع دائم للسلطة والنفوذ، يقوم على التمايز عن الدولة لا الاندماج فيها، وعلى بناء دويلة تنازع الدولة صلاحياتها، وتفرض حضورها بالترغيب حينًا وبالترهيب حينًا آخر، حتى تجاوز تأثيرها حدود لبنان إلى ساحات أخرى.
غير أنّ التاريخ لا يستسلم طويلًا لمنطق القوة. فحين يتعارض قانون الغاب مع منطق الدولة والعدالة، يبدأ مسار التصحيح، ولو ببطء. وهذا ما شعرت به منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها زوطر الغربية.
علم واحد وجيش واحد وسط الجراح
دخلتها مستندًا إلى واقع جديد فرضه اتفاق الإطار، وإلى حضور الدولة اللبنانية، رغم إمكاناتها المحدودة، وهي تستعيد تدريجيًا دورها ومؤسساتها بعد سنوات طويلة من الوصاية التي فرضها حزب الله على أجزاء واسعة من القرار الوطني.
كانت زوطر الغربية مثقلة بالجراح، بيوت مهدّمة، وطرقات مجرفة، وأشجار اقتُلعت من جذورها، وحزن يملأ الوجوه. لكن وسط هذا الخراب، كان هناك مشهد واحد أعاد إليّ الأمل.
كان الجيش اللبناني.
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، استقبلني الجيش اللبناني وحده. علم لبنان وحده كان يرفرف. جنود لبنانيون فقط ينتشرون في المكان، لا رايات حزبية، ولا مظاهر سلطات موازية. شعرت بأنّ الدولة، التي حلمنا بها طويلًا، أصبحت حاضرة، ولو في بداياتها.
أهل الزواطر بين خيبة الوعود وأمل الدولة
ورغم الألم الذي يسكن الناس، لمست في أبناء زوطر الغربية عزيمة مختلفة. رأيت جيلًا يريد أن يبدأ من جديد، يعلّق آماله على الدولة لا على السلاح، وعلى القانون لا على النفوذ. ورأيت، في المقابل، كيف تبدّدت الوعود التي أغدقت عليهم طوال عقود، وكيف تحولت سرديات “الانتصارات” إلى سلسلة من الانكسارات، دفعت أثمانها القرى وأهلها وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم.
اليوم، يتطلّع أبناء الزواطر، كما أبناء سائر قرى الجنوب، إلى أن يروا توأم روحها زوطر الشرقية محررة، وأن يعود الجنوب كله إلى حضن الدولة، فلا يكون على أرضه إلا علم الوطن، ولا يحمل مسؤولية الأمن والدفاع إلا الجيش اللبناني.
بين آلية الجيش ودبابة الاحتلال
ومن زوطر الغربية، وقفت أنظر إلى بلدتي زوطر الشرقية التي لا تبعد سوى عشرات الأمتار. إلى جانبي كانت آليات الجيش اللبناني وجنوده، وفي الجهة المقابلة كانت دبابة الاحتلال الإسرائيلي.
بين هذين المشهدين، لم يتملكني الخوف، بل الأمل.
أيقنت أنّ طريق العودة إلى بيتي وقريتي لا يمر إلا عبر الدولة، وأنّ تحرير الأرض لا يكتمل إلا بقيام دولة عادلة، قوية، تحتكر السلاح، وتحمي جميع أبنائها بالتساوي.
هناك، على تخوم زوطر الشرقية، شعرت للمرة الأولى منذ زمن طويل أنّ حلمنا القديم لم يمت. وأنّ الوطن الذي قاتلنا من أجله لا يُبنى بالشعارات، بل بالمؤسسات، ولا يُصان بالغلبة، بل بالعدالة، ولا يستقر إلا تحت راية واحدة، هي راية لبنان، ومع جيش واحد، هو الجيش اللبناني.
إقرأ أيضاً: ما بعد الدمار: هل يكفي إعادة بناء ما تهدّم؟