تنتهي معادلة “الأرض مقابل السلام” بعد ربع قرن من إطلاقها في بيروت، وتترك خلفها معادلة أشدّ قسوة: من يريد الأرض عليه أن يسلّم السلاح. فهل يجرؤ حزب الله على رفع هذا الشعار، أم ينتظر الإشارة من طهران؟
من “الأرض مقابل السلام” إلى انسحاب العام 2000
في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، تناولت كل قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة قضية الحل الفلسطيني على أساس فكرة “الأرض مقابل السلام” وحل الدولتين، وقوبلت دائماً برفض عربي من جهة، ورفض إسرائيلي من جهة أخرى. إلا لبنان، الذي استطاع تحرير جنوبه عام ٢٠٠٠ بعد احتلال دام ٢٢ عاماً، حين نفّذت إسرائيل، كما أعلنت، قرار الأمم المتحدة رقم ٤٢٥ من جانب واحد، من دون تنسيق مع لبنان، وربما من دون تنسيق مع الأمم المتحدة نفسها، وانسحبت من دون قيد أو شرط بما ورد في قرار مجلس الأمن.
هذا القرار الأممي، الوحيد في تاريخ الصراع الذي نفّذته إسرائيل بحذافيره، جاء بعدما اشتدّت عليها الخسائر البشرية خلال الاحتلال، إضافة إلى الضغط الداخلي الذي بدأته حركة “الأمهات الأربع” في مواجهة حكومة إيهود باراك، فنفّذ وعده بالانسحاب من لبنان.
لكن ما الذي تغيّر فعلياً على صعيد الصراع بعد هذا الانسحاب؟
قمة بيروت: مبادرة السلام العربية
استقبل لبنان القمة العربية في بيروت، ومنها انطلقت المبادرة الشهيرة باسمها، وجوهرها “الأرض مقابل السلام”، أي الدولة الفلسطينية واستعادة الجولان أولاً، ثم السلام بين إسرائيل وكل الدول العربية.
فما الذي حوّل هذه المبادرة إلى حبر على ورق؟
اليمين الإسرائيلي ومحور الممانعة: تلاقي مصالح
الجواب يبدأ بعودة اليمين الإسرائيلي المتطرف إلى الحكم، وأولى تباشيره تُرجمت باغتيال إسحق رابين، صانع اتفاق أوسلو مع ياسر عرفات. وبالتزامن، تصاعدت الهجمة الإيرانية وتفعيل “محور الممانعة” في عدد من الدول العربية، وعلى رأسها سوريا الأسد، ولبنان عبر حزب الله وسلطته “اللحودية”، وغزة عبر انقلاب حماس على السلطة الوطنية وعلى حركة فتح.
من هنا بدأ الانقلاب على المبادرة العربية التي قادتها السعودية ومعظم الدول العربية، ومن هنا أيضاً تلاقت مصالح اليمين الإسرائيلي مع مصالح إيران وأذرعها في المنطقة، خصوصاً في غزة ولبنان. وكانت أولى نتائج هذا التلاقي إسقاط اتفاق أوسلو، الذي كان الخطوة الأولى والأوضح نحو بناء الدولة الفلسطينية، فقتل تلاقي المشروعين، الإيراني والإسرائيلي، الحلم الفلسطيني الذي جسّده الرئيس ياسر عرفات.
لبنان: من التحرير إلى اغتيال الحريري
أمّا في لبنان، فقد قتل التلاقي بين إيران والأسد وحلفائهما من جهة، والتطرف الإسرائيلي من جهة أخرى، حلم الاستقرار نحو سلام عادل وشامل، خصوصاً بعد تحرير الأرض عام ٢٠٠٠. وتُرجم ذلك باغتيال الرئيس رفيق الحريري، الذي كان فاعلاً في قمة بيروت العربية ومجسّداً لتلك المبادرة، إضافة إلى اغتيال العديد من قادة لبنان وعنفوانه السياسي.
منذ تلك اللحظة، دخل لبنان والمنطقة في دوامة من الفوضى والانحدارات والأزمات بفعل هذين المشروعين وتلاقيهما، وصولاً إلى سوريا والعراق، حتى بلغنا المرحلة الراهنة: من حرب إلى حرب، بفعل التوسّع والهيمنة، تارة من إيران العقائدية، وتارة من إسرائيل المتطرفة، تجرّنا كلتاهما إلى حروب باسم العناوين الدينية والعقائدية، سعياً لمزيد من التعبئة الشعبوية باسم “الرب الواحد”.
الواقع الراهن: من غزة إلى الجنوب
وها هي غزة اليوم رماد ما بعد انقلاب حماس، وها هي سوريا بلا الأسد، وها هو جنوب لبنان كتلة نار ودمار. وحزب الله، آخر أخباره أنّه يريد الجلوس مع الرئيس السوري الجديد، بعدما احتلّت إسرائيل جزءاً كبيراً من الجنوب، وباتت كل طلقاتها موجّهة نحو الداخل، حكومةً وشعباً، بينما تعبث إسرائيل وتجرف وتدمر.
من “الأرض مقابل السلام” إلى “الأرض مقابل السلاح”
وذهبت مبادرة “الأرض مقابل السلام” أدراج الرياح، بل لم تعد فكرة السلام نفسها تعني إسرائيل، لتقول للعرب وللبنان: بات الأمر “الأرض مقابل السلاح”.
فهل يتلقّفها حزب الله، أم أنّه غير قادر على ذلك قبل صدور القرار من إيران؟
“الأرض مقابل السلاح”، في علم السياسة وفي تطبيقه، فعل تحرير ونصر للجنوب، ما دام هدف السلاح هو التحرير.
إقرأ أيضاً: زوطر الغربية تحت المجهر: إسرائيل تُشكك بنجاح أول “منطقة تجريبية”