يصل قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني فجأة إلى بغداد، متجاوزاً خطته الأصلية باستقبال وفد الإطار التنسيقي في طهران، ليضع قدميه على الأرض العراقية شخصياً في توقيت لا يحتمل التأجيل: أيام تفصل الفصائل المسلحة عن مهلة تسليم سلاحها. هذا التحرك المباغت يفتح الباب أمام قراءة الإعلامي العراقي أحمد الحمداني، الذي يحاول تفكيك دوافع الزيارة الطارئة..
تغيير خطة قاآني: من الاستقبال في طهران إلى النزول الميداني في بغداد
يرى الحمداني أنّ الانتقال من خطة استقبال وفد الإطار التنسيقي في طهران إلى المجيء الشخصي والمباشر لقاآني إلى بغداد يعكس “إنذاراً أحمر” استوجب إدارة الأزمة عن قرب، بدل الاكتفاء بالتحكّم عن بعد عبر القنوات المعتادة. فالملف تجاوز إطار التنسيق السياسي التقليدي إلى مرحلة تتقاطع فيها خطوط حمراء أمنية وعسكرية مباشرة. ويؤكد الحمداني أنّ هذه الزيارة تعكس فعلاً درجة استعجال غير معتادة وتخبطاً في إدارة التوقيتات، إذ إنّ حضور قاآني شخصياً وبشكل فوري يشير إلى شعور طهران بأنّ مسار القرارات أو ردود الفعل المحلية بدأ يخرج عن السيطرة، أو أنّ الرسائل الدبلوماسية التي تُنقل عبر الوسطاء لم تعد كافية لاحتواء الموقف قبل فوات الأوان.
من وراء تسريب نية الزيدي دخول جرف الصخر؟
يعتقد الحمداني أنّ التسريبات التي وصلت إلى طهران بشأن نية رئيس الحكومة دخول جرف الصخر غالباً ما تقف خلفها أجنحة استخباراتية أو قيادات داخلية ضمن الفصائل نفسها، أو أطراف سياسية متضررة من مسار التهدئة، تهدف إلى “حرق مرحلة” المفاوضات ودفع طهران للتدخل السريع عبر خلق حالة استنفار قصوى. أما الهدف من هذا التسريب، فيتلخّص في إحداث صدمة سياسية وميدانية تضع طهران وجماعات الضغط أمام أمر واقع، إما لدفع القيادة الإيرانية للتدخل والضغط من أجل تراجع رئيس الحكومة عن قراره، أو لتهيئة حاضنة شعبية وإعلامية للفصائل تبرر أي ردة فعل مسلحة لاحقة بحجة “الدفاع عن السيادة والمقدسات”.
طبيعة الزيارة: إحتواء أم ردع؟
يصف الحمداني طبيعة زيارة قاآني بأنّها “احتواء مزدوج” تميل كفتها الأساسية نحو ضبط الساحة الداخلية للفصائل، أكثر من كونها رسالة ردع هجومية موجهة للحكومة. ويوضح أنّ طهران تدرك أنّ الدخول في مواجهة مفتوحة ومباشرة مع الحكومة الحالية لا يخدم مصالحها الاستراتيجية في العراق، خصوصاً في ظل مساعي الحفاظ على الاستقرار السياسي للإطار التنسيقي. لذلك، جاء قاآني لاحتواء غضب الفصائل وإقناعها بتبني خيارات سياسية أو تكتيكية تتفادى الصدام المباشر، وفي الوقت نفسه توجيه تحذير مبطن من خطورة الانزلاق نحو فخ الارتجال الميداني الذي قد يفلت من الحسابات المدروسة.
لماذا جرف الصخر بالذات؟ الموقع أم البنى التحتية العسكرية؟
في ١٣ آذار عام ٢٠٢٠ أصدرت وزارة الدفاع الأميركية بيانا أعلنت فيه مهاجمة موقعان في جرف الصخرأحدهما لتخزين الصواريخ الثقيلة المطورة والآخر لإنتاج وقود الدفع وتخزين أسلحة تقليدية مطورة بعد استهداف الميليشيات الإيرانية لمعسكر التاجي.
يشدد الحمداني على أنّ أهمية جرف الصخر مزدوجة: فهي ليست مجرّد بقعة جغرافية عادية من بين مناطق نفوذ الفصائل، بل تجمع بين موقع استراتيجي جغرافي بالغ الحساسية، وبين كونها ما يشبه “الصندوق الأسود” الذي يحوي بنى تحتية لوجستية وعسكرية متكاملة تراكمت على مدى السنوات الماضية. هذا الدمج بين الموقع والبنية التحتية هو ما يجعلها تستدعي تحركاً إيرانياً استثنائياً بهذا المستوى، لا يتكرر بالضرورة مع مناطق نفوذ أخرى للفصائل داخل العراق.
إقرأ أيضاً: قرار جرف الصخر.. “علي الطاهر” العراقية: قاآني أو الزيدي؟ (٢/٣)