معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

المخا: هزيمة عسكرية أم فخ استراتيجي للحوثيين؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

لو افترضنا أنّ السعودية أرادت للحوثيين أن ينتصروا. هذا استنتاج لا تملكه الأدلة. السؤال الأدق هو: هل يمكن أن تكون الرياض قد قبلت، أو عجزت عن منع، تقدماً حوثياً محدوداً لأنّها أدركت أنّ وصول الحوثيين إلى باب المندب قد يحوّلهم من مشكلة يمنية إلى مشكلة دولية، ويجعل من إيران، لا السعودية، الطرف الذي يدفع ثمن توسيع الحرب؟

 

 

الإعداد للعملية

الحوثيون أعدّوا للعملية، حصلوا على دعم إيراني نوعي، واستفادوا من خبرة قتالية تراكمت خلال سنوات، بينما بدا معسكر خصومهم مفكّكاً بين تشكيلات ومراكز نفوذ وحسابات سعودية وإماراتية ويمنية مختلفة. وتقول مصادر تحدثت إلى رويترز إنّ الحرس الثوري الإيراني قدّم توجيهاً ودعماً للعملية التي انتهت بسقوط المخا، فيما كانت الحكومة اليمنية تطلب دعماً سعودياً أكبر.

إذا كان هذا كل ما حدث، فلا نحتاج إلى نظرية أكبر من أنّ الحوثيون نجحوا لأنهم كانوا أكثر استعداداً، فيما فشل خصومهم في منعهم.

ما هي أهمية المخا؟

سقوط المخا، ثم الوصول إلى الدُّبَاب وميون، يضع الحوثيين على مسافة استراتيجية من باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وفي ظرف عادي، كان يمكن التعامل مع ذلك باعتباره تطوراً خطيراً في الحرب اليمنية. لكن الظرف الحالي ليس عادياً، فهرمز نفسه أصبح ساحة مواجهة، والسعودية تعتمد أكثر على طرق بديلة لتصدير نفطها عبر البحر الأحمر. وتقدّر إدارة معلومات الطاقة الأميركية تدفقات النفط عبر باب المندب بنحو ٨.١ ملايين برميل يومياً في الربع الثاني من ٢٠٢٦.

ما هو هدف؟

هل كان هدف الحوثي هو السيطرة على المخا، أم الوصول إلى موقع يجعل السيطرة على باب المندب ورقة ضغط تتجاوز اليمن؟

والأهم، ماذا لو كان خصوم الحوثيين يعرفون أنّ هذا الاحتمال قائم؟

السعودية، في الواقع، لم تتصرف كدولة تريد ببساطة انتصار الحوثيين. فقد طلب ولي العهد محمد بن سلمان من ترامب التدخل العسكري وضرب الحوثيين مرتين في ١٠ أيلول، وفق موقع أكسيوس لكن ترامب رفض، الضربات المباشرة، فيما واصلت واشنطن تقديم الدعم والاستخبارات مع تجنّب الانخراط العسكري المباشر.

السؤال الأكثر إثارة

ماذا لو كانت الرياض تتوقّع أصلاً أنّ واشنطن لن ترغب في فتح جبهة يمنية أميركية جديدة؟

لا نملك دليلاً يثبت أنّ السعوديين كانوا يعرفون مسبقاً قرار ترامب. لكن من المشروع استراتيجياً أن نسأل إذا كانت الرياض قد أدركت أنّ إقناع واشنطن بضرب الحوثيين مباشرة صعب، فهل يمكن أن يصبح تمدد الحوثيين نفسه وسيلة للضغط على واشنطن؟

أي أنّ المعادلة ربما لم تكن كيف أمنع الحوثي من الوصول إلى باب المندب؟

بل كيف أجعل العالم يرى ماذا يعني أن يصل الحوثي إلى باب المندب؟

هنا يصبح الفارق هائلاً..

السعودية لواشنطن: هذه حربنا

السعودية التي يصبح أمنها، وأمن الملاحة في البحر الأحمر، ومصالح مصر، وأوروبا، وآسيا، وأسواق الطاقة والتأمين، مهدّدة في وقت واحد، تستطيع أن تنقل القضية من حرب سعودية ـ حوثية إلى أزمة أمن دولي مرتبطة بإيران.

وهنا قد يصبح تقدم الحوثيين، جزئا من الضغط عليهم.

فكلما اقتربوا من باب المندب، ارتفعت كلفة تجاهلهم. وكلما هدّدوا الملاحة، أصبح تدخّل القوى الدولية أكثر قابلية للتبرير. وكلما ظهر أنّ إيران تستطيع فتح جبهة ثانية مقابل هرمز، أصبح السؤال في واشنطن أوسع من اليمن.

لماذا يغامر الحوثي بنفسه؟

السيطرة على باب المندب شيء، وإغلاقه شيء آخر.

قد تكون القيمة الحقيقية للحوثيين في امتلاك القدرة على تعطيل الملاحة، لا في استخدامها إلى أقصى حدودها. فالتهديد وحده يمكن أن يرفع التأمين وأسعار الشحن والطاقة، ويدفع السفن إلى طرق أطول. أما إغلاق الممر فعلياً أو شن هجمات واسعة على الملاحة الدولية فقد يمنح الولايات المتحدة وأوروبا ودولاً آسيوية مبرراً مباشراً لضرب الحوثيين.

وهنا تصبح تجربة هرمز الإيرانية ذات دلالة، فقد تكتشف طهران أنّ التهديد بالممر البحري أكثر فائدة تفاوضية من إغلاقه فعلياً. فإبقاء الخطر قائماً يمكن أن يدفع دول الخليج ومصر وأوروبا وغيرها إلى الضغط على واشنطن نحو وقف الحرب أو تسوية مع إيران، بينما يؤدي الإغلاق الكامل إلى توحيد هذه الدول ضد طهران وحلفائها.

لكن لا ينبغي اختزال الحوثي إلى مجرد أداة إيرانية؟

إيران تستطيع تسليح الحوثي وتوجيهه والتأثير فيه، لكن الحوثيين لديهم حساباتهم الخاصّة، وأولها البقاء في اليمن. وما يفيد طهران في حربها مع واشنطن قد يكون كارثياً على الحوثيين إذا أدّى إلى تدخل دولي واسع ضدهم أو أعاد توحيد خصومهم اليمنيين.

لذلك قد يكون الفارق بين القرار الإيراني والقرار الحوثي أهم من كل ما قيل حتى الآن.

هل تريد طهران تصعيداً كبيراً، بينما يفضّل الحوثي الاحتفاظ بالتهديد؟

هل سيحافظ الحوثيون على المخا وميون، ويستخدمونهما كورقة ضغط، من دون الذهاب إلى إغلاق باب المندب؟ أم سيحوّلون القدرة إلى حرب بحرية مفتوحة؟

هنا تبدأ المرحلة التي يجب مراقبتها، لأنها قد تكشف ما عجزت المعركة نفسها عن كشفه.

هل يثبت الحوثيون مواقعهم في المخا وميون؟ هل ينقلون إليها صواريخ وطائرات مسيّرة ووسائل استطلاع؟ هل يبنون خطوط إمداد ودفاعات ثابتة؟ هل يحتفظون بالمدينة بعد أسابيع، أم يتبين أنّ تقدمهم كان أسرع من قدرتهم على تثبيته؟

وهل تستعيد القوات المناهضة للحوثيين المبادرة فعلاً؟ هل تعيد السعودية توحيد الفصائل المتنافسة؟ هل يزداد الدعم الأميركي الاستخباراتي فقط، أم يتحول إلى تدخل مباشر؟ وهل يبدأ الحوثيون باستهداف الملاحة الدولية فعلياً، أم يكتفون بإبقاء باب المندب تحت التهديد؟

والأهم، هل ستظهر فروق بين ما تريده طهران وما يريده الحوثيون؟

هذه المؤشرات قد تكون أكثر أهمية من التصريحات السياسية كلها.

تهديد أو إغلاق؟

فإذا ثبت الحوثيون في المخا وميون، واحتفظوا بقدرة تهديد باب المندب من دون إغلاقه، بينما تصاعد الضغط الخليجي والمصري والدولي على واشنطن لإنهاء الحرب، تصبح فرضية “التهديد كأداة تفاوض” أقوى.

أما إذا اندفع الحوثيون إلى إغلاق الممر، واستدرجوا بذلك حرباً دولية مباشرة، فقد يكونون قد حوّلوا الورقة التي منحتهم القوة إلى نقطة ضعف.

وإذا استعادت القوات المناهضة للحوثيين المخا وميون سريعاً، فسيتراجع تفسير “الفخ” لمصلحة تفسير أكثر بساطة: انهيار عسكري واستخباراتي في جبهة منقسمة، استغله الحوثيون بعملية مدعومة إيرانياً.

الاختبار الحقيقي للنظرية

النظرية الجيدة ليست التي تفسر كل شيء مسبقاً، ولا التي تبحث عن دليل يؤيدها وتتجاهل ما يناقضها. النظرية الجيدة هي التي تقول لنا مسبقاً ما الذي يجب أن نراه إذا كانت صحيحة، وما الذي سيجبرنا على التخلي عنها إذا ثبت خطؤها.

لذلك قد لا يكون سقوط المخا أهم حدث في هذه القصة، الأهم هو ما سيفعله الحوثي بعدما أصبح قريباً من باب المندب..

هل يستخدم المفتاح، أم يكتفي بأن يعرف الجميع أنه يملكه؟

في المسافة بين التهديد والتنفيذ، وبين القرار الإيراني والحساب الحوثي، وبين العجز العسكري والخيار السياسي، قد تظهر الإجابة عن السؤال الأكبر:

هل سقطت المخا لأنّ الحوثيين نجحوا في اختراق جبهة ضعيفة، أم لأنهم دخلوا، من دون أن يدركوا تماماً، إلى المكان الذي قد يجعل انتصارهم نفسه عبئاً عليهم؟