أقرّت الحكومة مشروعًا يمنع بيع الأراضي في الجنوب المحتل حمايةً لها من الاستحواذ المشبوه، لكنها لم تسأل بعد: من يحمي المالك النازح الذي خسر بيته ورزقه وبات بيع أرضه آخر ما يملك؟
الأرض لا تُحمى بحبس أصحابها
ليس السؤال ما إذا كانت أرض الجنوب تستحق الحماية. هذا أمر لا يحتاج إلى نقاش. السؤال هو: كيف تمنع الدولة تحويل الحرب والاحتلال والتهجير إلى فرصة لإعادة رسم ملكية الأرض، من دون أن تجعل صاحبها نفسه ضحية للحماية؟
في ١٠ أيلول ٢٠٢٦، وافق مجلس الوزراء على مشروع قانون يرمي إلى منع التصرف بالبيوعات العقارية في المناطق التي يحتلها الجيش الإسرائيلي في الجنوب. وهذه نقطة أساسية: ما صدر هو مشروع قانون، وليس قانونًا نافذًا بعد، ما يعني أنّ تفاصيله وضماناته ستظل موضع نقاش تشريعي قبل إقراره.
في جوهره، يحمل المشروع منطقًا سياديًا مفهومًا. فالحرب لا تهدم المنازل فقط، قد تنتج أيضًا سوقًا عقارية مشوهة. مالك نازح، منزله مدمّر، مصدر رزقه متوقف، وأرضه في منطقة لا يستطيع الوصول إليها. في هذه الظروف، قد لا يكون البيع قرارًا اقتصاديًا حرًا بالكامل، بل نتيجة لضغط الحاجة والخوف وانسداد الخيارات.
والخطر لا يتمثّل فقط في أن يأتي مشترٍ إسرائيلي بصورة مباشرة. الأخطر قد يكون انتقال الملكية عبر وسطاء وشركات وأسماء ظاهرها لبناني، فيما يبقى المستفيد الحقيقي مخفيًا. لذلك لا يكفي أن تسأل الدولة: من وقّع العقد؟ بل يجب أن تسأل: من دفع المال، ومن سيملك في النهاية؟
لكن يجب في المقابل ألا يتحول الاحتمال إلى ادعاء بوجود موجة شراء إسرائيلية مثبتة. قوة المشروع أنه إجراء وقائي لمنع خطر محتمل قبل أن يصبح واقعًا.
عندما تتحوّل الوقاية إلى حظر مطلق
الملكية الخاصة محمية دستوريًا، ولا سيما بموجب المادة ١٥ من الدستور اللبناني، والجنوبي الذي خسر منزله ودخله قد يحتاج إلى تسييل جزء من ممتلكاته كي يعيش. إذا قالت الدولة له “لا تبيع”، فعليها أن تجيب فورًا: ماذا ستعطيك بدلًا من ذلك؟
ومن هنا، لا يجوز أن يتحول المشروع إلى “أمر واقع تشريعي” دائم. ينبغي ربطه صراحة بحالة الطوارئ والظروف الاستثنائية التي تبرره، وتحديد مدة قاطعة لنفاذه، كأن تكون سنة واحدة قابلة للتجديد بقرار برلماني مبرّر، مع مراجعة دورية لنطاقه وضرورته وتناسبه. كما يجب أن يبقى كل تقييد للملكية خاضعًا للرقابة القضائية، وأن يكون القرار الإداري معللًا وقابلًا للطعن، حتى لا يتحوّل الإجراء المؤقت إلى مساس دائم بجوهر الحق في الملكية.
بين السيادة والملكية: قيدٌ مشروع أم منعٌ قابل للطعن؟
يضع المحامي حسين برجي، في حديث لموقع “الدولة”، المشروع بين مبدأين دستوريين. الأول يحمي حق الملكية الفردية بعناصره الثلاثة: التصرف والتمتّع والاستغلال، وهي عناصر يمسّها المنع مباشرة. والثاني مبدأ السيادة، إذ إنّ لبنان “دولة ذات سيادة”، وهو مبدأ مرن يمكن أن يُستند إليه لتبرير الإجراء. ويرى برجي أنّ المبدأين لا يتعارضان، بل يكمّل أحدهما الآخر، وأنّ المشروع ينطلق من منطق سليم. فحالة الحرب والاحتلال هي حالة طوارئ، والظروف الاستثنائية تجيز فرض قيود على بعض الحقوق والحريات المكفولة دستوريًا. ولا يقتصر الهدف، بحسبه، على صون السيادة، بل يشمل أيضًا حماية الناس من الاستغلال والغبن، سواء أتى من العدو الإسرائيلي أو من أفراد عاديين.
غير أنّ الإشكالية، وفق برجي، تكمن في الصيغة التي سيصدر بها القانون. فالإجراء الاستثنائي يجب أن يُطبَّق في أضيق نطاق ممكن، بحيث يحقق الفائدة المرجوّة بأقل ضرر ممكن. وإذا وُجدت وسيلة أخرى تحقق المنفعة ذاتها وتحفظ السيادة بضرر أقل، كالتثبت من هوية المشتري أو تعليق عقود البيع لأجل محدد، يصبح اعتمادها واجبًا. ومن هنا، فإنّ صدور القانون بصيغته الحالية القائمة على المنع الكامل يجعله عرضة للطعن أمام المجلس الدستوري.
لكنّ المواطن، كما يوضح برجي، لا يملك حق الطعن المباشر أمام المجلس الدستوري. فالطريق المتاح له يمرّ عبر القرار الذي يطبّق القانون عليه. فإذا نظّم أحدهم عقد بيع لدى كاتب العدل بعد صدور القانون ولم يُسجَّل العقد، يمكنه الطعن في هذا القرار أمام مجلس شورى الدولة بدعوى تجاوز حد السلطة. ويقود ذلك إلى سؤال ثالث يطرحه: ماذا يحدث إذا لجأ الناس إلى تنظيم وكالات وعقود بيع لدى كتّاب العدل؟
المعادلة الحقيقية
الحماية الوطنية ليست في منع المواطن من البيع فقط، بل في منع اضطراره إلى البيع.
ولهذا ينبغي أن يتحول المشروع من حظر شامل إلى نظام حماية عقارية مؤقت ومتدرج. تُحدد المناطق المشمولة بخرائط رسمية، وتُحدّد مدة القانون ومواعيد مراجعته، ويُفرّق بين الأراضي السكنية داخل القرى والعقارات ذات الحساسية الحدودية أو العسكرية أو المائية، لأن المخاطر ليست واحدة.
كما يجب ألا يؤدّي الحظر إلى إنشاء سوق عقارية موازية. فإذا مُنع تسجيل البيع بينما بقيت الوكالات العقارية، ولا سيما تلك المرتبطة بنقل الملكية، منفذًا للالتفاف، فقد تنتقل العملية من السجل العقاري إلى عقود ووكالات غير ظاهرة في الملكية الرسمية. لذلك يجب أن يشمل التنظيم كل الأدوات التي يمكن استخدامها لإخفاء نقل السيطرة على العقار.
والبديل عن الحظر المطلق يمكن أن يكون الموافقة المسبقة: تدقيق هوية المشتري، والمستفيد الحقيقي، ومصدر الأموال، مع قرار معلل قابل للطعن قضائيًا.
كيف نحمي المالكين؟
ويجب أن يترافق ذلك مع قواعد صريحة لمنع تضارب المصالح والإثراء غير المشروع، وتجريم استغلال المعلومات العقارية الحساسة من جانب المسؤولين والنافذين السياسيين أو كبار المضاربين العقاريين، ولا سيما شراء الأراضي بأسعار بخسة قبل إعادة الإعمار أو التأثير في قرارات التقييم والترخيص. فحماية الأرض لا تكتمل إذا تحولت إلى فرصة احتكار جديدة لمن يملك النفوذ والمعلومة.
وإذا كان المالك مضطرًا للبيع، يمكن منح الدولة حق الأولوية في الشراء بسعر عادل يحدّده تقييم مستقل. لكن تحديد هذا السعر يجب ألا يترك لتقدير إداري غامض، ولا أن يُبنى على أسعار استثنائية أو منخفضة فرضتها الحرب. لذلك ينبغي اعتماد لجنة تقييم مستقلة تضم خبراء عقاريين ومسّاحين وممثلين عن الجهات الرسمية، وتستند إلى أسعار عقارات مماثلة قبل الحرب، وموقع العقار ومساحته واستعماله وإمكاناته، مع احتساب كلفة إعادة البناء والأضرار وتغيرات السوق. كما يجب إبلاغ المالك بأسس التقييم، ومنحه حق الاعتراض أمام هيئة مستقلة أو القضاء، والاستعانة بتقييم ثانٍ عند الحاجة، على أن يُدفع الثمن ضمن مهلة واضحة وبقيمة تحفظ القوة الشرائية للمبلغ. فحق الأولوية لا يكون عادلًا إذا تحول إلى شراء إلزامي بسعر حرب يغبن المالك.
هل من حلول واقعية؟
لكن هنا يجب تجنب المثالية، فالدولة اللبنانية في أزمة مالية، ولا يمكن افتراض أنّ لديها مليارات لشراء الأراضي. لذلك فإنّ أي صندوق من هذا النوع يحتاج إلى تمويل واقعي، يمكن أن يجمع بين مساهمة الدولة وأموال إعادة الإعمار ومساهمات المغتربين وتمويل عربي أو دولي مخصّص، بدل أن يبقى اقتراحًا على الورق. وينبغي أن يرتبط أي تمويل عربي أو دولي بإطار حوكمة صارم وشفاف، يحدّد أوجه الإنفاق وآليات التدقيق والإفصاح، ويمنع تسييس القروض أو تحويلها إلى أداة ابتزاز سياسي للمواطنين النازحين أو إلى وسيلة لإعادة توزيع الملكية خارج رقابة القانون.
والأكثر ذكاءً هو ألا يكون البيع الحل الوحيد أمام المالك المحتاج إلى السيولة. يمكن إنشاء قروض إنقاذية بضمان العقار أو آليات رهن مؤقتة تسمح له بالحصول على المال من دون التخلي نهائيًا عن أرضه. فالمشكلة في كثير من الحالات ليست رغبة المواطن في البيع، بل حاجته إلى النقد.
كما يمكن اعتماد المقاصة العقارية وتبادل الأراضي كبديل عن الدفع النقدي الذي قد تعجز عنه الخزينة. فقد تمنح الدولة أو المشاع البلدي المالك المنكوب عقارًا بديلًا مؤقتًا أو دائمًا في منطقة آمنة، وفق تقييم عادل وضمانات واضحة، مقابل وضع اليد المؤقت على أرضه الحدودية أو تقييد التصرف بها خلال فترة محددة. ولا ينبغي أن يتم ذلك إلا بموافقة المالك، وبعقد مسجّل، وحق واضح في الاسترداد أو التعويض، ورقابة تمنع تحويل المقايضة إلى نزع ملكية مقنع.
كذلك ينبغي أن يكون لأصحاب الصلة المباشرة بالعقار، كالورثة والشركاء وأبناء المنطقة وفق ضوابط قانونية واضحة، أولوية منظمة قبل انتقال الأرض إلى مستثمرين خارجيين.
المشاع والتركات المعقدة
ويحتاج هذا التنظيم أيضًا إلى معالجة خاصة للأراضي الشائعة غير الممسوحة، ولحقوق المشاع في الجنوب، وللتركات المعقدة التي تتداخل فيها حصص الورثة والعقود الشفهية والوكالات غير المسجلة. فالحظر وحده لا يحل نزاعًا لا يظهر أصلًا بصورة واضحة في السجل العقاري. لذلك يجب إنشاء مسار مبسط ومؤقت لإثبات الحيازة والحقوق، وتوثيق العقود والوكالات، وتسوية التركات، وإجراء المسح عند الإمكان، مع حماية أصحاب الحقوق الفعلية من الاستغلال، من دون تحويل الاعتراف المؤقت بالحيازة إلى تثبيت نهائي لملكية متنازع عليها.
لكن كل ذلك يبقى ناقصًا من دون سياسة اجتماعية. فإذا كانت الدولة تريد من الجنوبي الاحتفاظ بأرضه، فعليها أن تساعده على الاحتفاظ بها: تعويضات، دعم سكني، إعادة تشغيل الزراعة، ترميم المنازل، وقروض ميسرة. لا يمكن أن تطلب الدولة من المواطن أن يصمد فوق أرضه فيما تتركه يدفع وحده كلفة الصمود.
القضية الأعمق
قد تبقى الأرض لبنانية في السجل العقاري، لكن السيادة عليها تضعف إذا لم يعد اللبناني قادرًا على العيش فيها أو زراعتها أو الوصول إليها. لذلك فإنّ حماية الملكية يجب أن تترافق مع إعادة السكان وإعادة الإعمار واستعادة قدرة الدولة على إدارة الجنوب.
ولهذا يحتاج الملف إلى جهة تنسيق وطنية موحدة، لا إلى جهاز بيروقراطي جديد مستقل. ويمكن أن تُنشأ هذه الآلية داخل مؤسسة قائمة، كوزارة المالية بالتنسيق مع المديرية العامة للشؤون العقارية، أو ضمن لجنة مشتركة تضم المالية والعدل والداخلية والجهات الأمنية وإعادة الإعمار، مع صلاحيات محددة ومدة زمنية واضحة ورقابة برلمانية وقضائية. هكذا تُجمع بيانات الأضرار والملكية، وتُراقب الصفقات، وتُمنع تشتيت المسؤولية بين مؤسسات متعددة، من دون تحميل الدولة كلفة إنشاء إدارة جديدة في ظل الأزمة المالية.
فالهدف ليس أن يصبح الجنوبي ممنوعًا من بيع أرضه، ولا أن تترك الأرض لسوق قد تستغل ضعفه.
الهدف هو أن تمنع الدولة الاستحواذ المشبوه والبيع تحت ضغط الحرب، من دون أن تصادر حرية المالك.
الحرب قد تغيّر الجغرافيا بالقوة، لكنها قد تغيّر الملكية بطريقة أكثر هدوءًا: عبر الفقر والنزوح وانهيار الأسعار والحاجة إلى السيولة. وإذا كانت الدولة تريد منع نتائج الحرب من التحول إلى وقائع عقارية دائمة، فعليها أن تحمي الأرض وصاحب الأرض في الوقت نفسه.
فالجنوب لا يحتاج فقط إلى أن تبقى أرضه لبنانية في السجل العقاري.
يحتاج إلى أن يبقى اللبناني قادرًا على العيش فوقها.
إقرأ أيضاً: جنوب ما بعد اليونيفيل: مهمة أوروبية لنزع السـ..ـلاح… أم فراغ تملؤه إسرائيل؟