يخرج الناس من تحت الركام بأسئلةٍ لا تجيب عنها لجان الإحصاء ولا خطابات النصر.
فهل صار الحزن على بيتٍ وذكرى تهمةً تُحاكَم أمام محكمة الوطنية؟
هل الحزن حكرٌ على الأكثر خسارة؟
إن رمّمنا المنازل، فمن يرمّم ما انكسر فينا؟
من يعيد إلينا لوحةً حملناها من بيتٍ إلى بيت، أو صورةً خبّأناها من الزمن، أو تذكارًا صغيرًا لا يساوي في حسابات الدول شيئًا، لكنه كان يساوي عندنا عمرًا كاملًا؟
ستقولون لي:
انظر إلى غيرك، بيته سُوّي بالأرض.
نعم، أحزن عليه.
وأعرف أن وجعه أكبر من وجعي.
لكن هل صار علينا أن نفقد كل شيء كي يُسمح لنا بالحزن على شيء؟
ستقولون:
هناك شهداء قدّموا أرواحهم.
سأقول: رحمهم الله، وأجرهم على الله، ولهم الرحمة وجنّات النعيم.
لكن لا تجعلوا من دمائهم سيفًا مسلطًا على رؤوس الأحياء، ولا تستخدموا تضحياتهم لإسكات كل من بقي له بيت يخاف عليه، وذاكرة يخشى ضياعها، وأطفال يريد لهم أن يكبروا بعيدًا عن الركام.
ليس من الضروري أن تُسوّى بيوتنا جميعًا بالأرض حتى نحصل على شهادة في الوطنية.
وليس مطلوبًا أن نستشهد جميعًا حتى يقتنع أحد بأننا نحب هذا الوطن.
الوطنية ليست مسابقةً في عدد القبور، ولا بطولةً في حجم الخسائر، ولا مزادًا يفوز فيه من دفع من عمره وبيته وأحبّته الثمن الأكبر.
صمودٌ يدفعه الآخرون
ومن السهل جدًا أن تطلبوا من الناس الصمود حين لا تكون مقتنياتكم تحت الركام.
ومن السهل أن تتحدثوا عن “الأثمان التي لا بد منها” حين يدفعها سواكم.
ومن السهل أن تحوّلوا بيوت الناس وذكرياتهم وأعمارهم إلى أرقام في خطاب سياسي، ثم تطلبوا منهم أن يصفقوا لأن الخراب كان “من أجل الوطن”.
لا.
بيوتنا ليست تفصيلًا.
أشياؤنا ليست تفاهات.
ذكرياتنا ليست خسائر جانبية.
وخوفنا على أولادنا ليس جبنًا.
من حق الإنسان أن يحب وطنه، وأن يريد في الوقت نفسه أن يبقى حيًا فيه.
من حقه أن يكون وطنيًا من دون أن يصبح شهيدًا، وأن يكون شريفًا من دون أن يصبح مشرّدًا، وأن يحتفظ بصورة أمه، وكتاب أبيه، ولعبة طفله، وباب بيته، وركن قهوته، وكل تلك الأشياء الصغيرة التي لا تدخل نشرات الأخبار، لكنها هي التي تجعل للحياة معنى.
فارحموا العباد.
ولا تبخسوا الناس أوجاعهم لأنّ هناك من يتألم أكثر.
ولا تصادروا حزنهم باسم حزنٍ أكبر.
ولا تطلبوا منهم أن يعتذروا لأنهم يريدون النجاة.
فالسياسة التي لا ترى الإنسان إلا حين يموت من أجلها،
ولا تسمع صوته حين يطلب أن يعيش،
تحتاج هي أيضًا إلى من يرمّم ما انكسر فيها.
إقرأ أيضاً: الجنوب الذي لا يعود إليه أهله: حين يبقى البيت ولا تعود الحياة