معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

معتز عزايزة… وجهٌ من ذاكرة السابع من أكتوبر: هل كان على الشاهد أن يموت كي يُصدَّق؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

ثلاث سنوات مرّت، وما زال اسم المصوّر الشاب يطرح السؤال ذاته: من يملك حقّ منح البطولة في غزة، ومن يملك حقّ سحبها؟

 

يكفي أن يُذكر السابع من أكتوبر حتى تحضر صورته: شابٌّ نحيل بخوذة وسترة كُتب عليها «PRESS»، يركض بين ركام دير البلح، ثم يحدّق في الكاميرا بعينين متعبتين ليقول للعالم إنّ غزة ما زالت على قيد الحياة. هكذا دخل معتز عزايزة ذاكرة الحرب، وصار اسمه مرادفاً لعدسة غزة في أيامها الأولى.

مئة وثمانية أيام: الكاميرا بدل البيان

لم يكن عزايزة مراسلاً لقناة كبرى ولا ناطقاً باسم فصيل. حمل كاميرته وخاطب العالم من فوق الركام، فقفز عدد متابعيه على “إنستغرام” من نحو خمسة وعشرين ألفاً إلى أكثر من ثمانية عشر مليوناً، متجاوزاً الرئيس الأميركي آنذاك جو بايدن. فقد خمسة عشر فرداً من عائلته في قصف دير البلح، وواصل التصوير.
غير أنّ ما ميّز خطابه لم يكن الصورة وحدها، بل رفضه أن تتحوّل المأساة إلى “محتوى للمشاركة” يمرّ ويُنسى، وإصراره على أنّ أهل غزة لا يطلبون شفقة أحد، بل يريدون أن يعيشوا.

حين صارت النجاة تهمة

سبق التخوينُ الرحيلَ بأسابيع. ففي كانون الأول 2023، شكّك متابعون في وطنيته لأنه نشر شهادة نازح يقول إنّ الغزّيين لا يريدون إبادة أحد، بل يريدون كرامتهم ووطنهم. وفي 23 كانون الثاني 2024، خلع سترته وغادر عبر معبر رفح، ومنه إلى الدوحة على متن طائرة إجلاء قطرية، ملمّحاً إلى أسباب يعرف الجمهور بعضها لا كلّها، بعدما تحدّث سابقاً عن تهديدات بالقتل. ولم تمضِ أيام حتى لاحقته حملات تتّهمه بـ”الهروب” وتتصيّد صوره في الدوحة.
ثم جاءت تغريدته في آذار 2024: “ملعون كل من تاجر بدمنا”، فقُرئت هجوماً على “حماس” رغم توضيحه أنه قصد التجار المحتكرين. وفي ربيع 2025 دعا ذوي الشهداء إلى ألّا يقولوا أمام الكاميرات إنّ أبناءهم “فدا لحدا”، فاشتعلت موجة تخوين جديدة بلغت حدّ اتهامه بالارتباط بأجهزة أمنية، من دون أي دليل منشور. وقبل أسابيع، أعادت مقابلته مع بودكاست “تقارب” الجدل إلى ذروته، بعد حديثه عن تأييد “مشروط” للمقاومة المسلحة، وعن ضغوط منظّمة قال إنها تطال الصحافيين المخالفين لرواية الحركة.

الشهيد معياراً: محاكمة الأحياء

يرى معارضوه أنه انتقل من توثيق جرائم الاحتلال إلى ضرب مفهوم المقاومة، وأنّ تصريحاته باتت مادةً يستثمرها الإعلام الإسرائيلي، بحجّة أنّ صحيفة “معاريف” تلقّفت مقابلته الأخيرة. ومن هذا المعسكر خرج الشعار المتداول: “إما أن تكون أنس الشريف، أو تكون معتز عزايزة”. وأنس الشريف هو مراسل قناة “الجزيرة” الذي بقي في شمال القطاع طوال الحرب، إلى أن قتلته غارة إسرائيلية استهدفت خيمة للصحافيين قرب مجمّع الشفاء في آب 2025، بعدما اتّهمته إسرائيل بالانتماء إلى “حماس”. وبذلك صار الشعار مقارنةً بين صحافي بقي حتى استُشهد، وآخر غادر ونجا.
أما مؤيدوه فيرون فيه صوتاً وطنياً جعل حياة الغزّيين أولويته، ويعدّون ذلك الشعار نفسه دليلاً على المشكلة: معادلة تختزل البطولة الفلسطينية في الموت، فلا يُبرّأ الغزّي من التخوين إلا إذا قُتل. ويذهب بعضهم أبعد، فيرى أنّ هذه المعادلة تلتقي، من حيث لا تقصد، مع خطاب اليمين الإسرائيلي الذي لا يرى في الفلسطيني الجيّد إلا الفلسطيني الميت. ويذكّر هؤلاء بأنّ الفلسطينيين، والغزّيين خصوصاً، حُشروا طويلاً في صورة واحدة: المقاوم الصامد المستعدّ للموت، الذي لا يحقّ له أن يخاف أو ينهار أو يكره الحرب. ويرون أنّ عزايزة دفع ثمن خروجه من هذا القالب: خاطب العالم بلغة الحقّ في الحياة لا بلغة الاستغاثة، ورفض تمجيد السابع من أكتوبر. ولو اختار التمجيد، لكان اليوم بطلاً بلا منازع.

من يملك ختم الوطنية؟

لا يبدو معتز عزايزة في هذا الجدل شخصاً بقدر ما يبدو مرآة. فالسؤال الذي يطرحه اسمه يتجاوز مواقفه: هل يحقّ للشاهد أن ينجو؟ هل يُسمح لابن غزة أن يكره الحرب من دون أن يُعدّ خائناً، أو أن يدعم المقاومة بشروط من دون أن يُتّهم بالتخلّي عنها؟
بعد ثلاث سنوات، لم يُحسم الخلاف حول معتز عزايزة، وربما لن يُحسم. لكنّ الثابت أنّ صوره من الأشهر الأولى للحرب صارت جزءاً من أرشيف الإبادة، أيّاً يكن موقف قرّائها من صاحبها اليوم. فهل ما جرّته عملية السابع من أكتوبر على الغزّيين من دمار ونكبة إنسانية لم يكن كافياً بعد لإنصاف شابٍّ قال، ببساطة، إنّ أهل غزة يريدون أن يعيشوا؟