“الحزب” يزيّن الفقر للجنوبيّين.. كي لا يُحاسَب

هل ما نراه اليوم عودة إلى الجذور فعلاً، أم محاولة منظّمة لتجميل العجز؟
ومتى بدأت الشّعوب تمشي إلى الخلف وهي تبتسم وكأنّ الفقر قدرٌ جميل؟
العتمة ليست دفئاً
هل هي عودة إلى الأصالة أم تجميل منظّم للفقر؟
متى بدأت الشّعوب تمشي إلى الخلف وهي تبتسم، تطفئ الكهرباء وتسمّي العتمة دفئاً، وتسهر على ضوء الشّموع لا خياراً بل اضطراراً، ثم تنظّم قصائد عن الكنكة والنّملية والموقدة، كأنّ الحرمان صار تراثاً، وكأنّ العجز تحوّل إلى فضيلة؟
ليس كلّ قديمٍ أصيلاً
ليس كلّ ما هو قديمٌ أصيلاً، ولا كلّ ما يُسوّق كـ“زمن جميل” كان جميلاً فعلاً.
الأصالة خيار واعٍ نابع من القوّة، أمّا الرّومانسية المفروضة فليست سوى قناعًا ناعمًا للفقر، ومكياجًا رخيصًا يوضع على وجه التّأخر.
أن تجمع الحطب في زمن الذكاء الاصطناعي ليس تمرّداً على الحداثة، بل دليلٌ فاضح على التّخلف والانعزال. وأن نقنع أنفسنا بأنّ التّقشف حكمة حين يُفرض بالقوة، فهذا ليس زهداً… هذا ترويض.
الزّعتر ليس المشكلة
وفي قلب هذا المشهد، يفتتح المجلس البلدي لمدينة النبطية، ومعه التّجار والجمعيّات والفعاليّات، معرضاً للزّعتر والمكدوس، بعددٍ هائلٍ من الصّور والتّبريكات وعبارات “الفخر والاعتزاز”، وكأنّه يفتتح جامعةً دوليّةً أو مركز أبحاث سيغيّر مصير المنطقة.
لا مشكلة مع الزّعتر، ولا عداوة مع المكدوس.
المشكلة في تحويل البديهي إلى إنجاز، وفي تسويق الفقر كهويّة اقتصادية، وفي إقناع النّاس بأنّ أقصى طموحهم أن يلتقطوا صورة جماعيّة أمام طاولة مؤونة.
عندما يصبح المكدوس حدثاً وطنياً
حين يصبح افتتاح مرطبان مكدوس حدثاً عاماً، فهذا ليس احتفالاً بالتراث، بل إعلاناً رسمياً عن انهيار سقف الطموح.
بلديّات بلا رؤية، تعوّض غياب المشاريع بفلاش الكاميرا، وتملأ الفراغ بالتبريكات.
لا نوستالجيا تبني مجتمعاً
المجتمع لا يُبنى بالنوستالجيا، ولا تُدار المناطق بالحنين، ولا تُقاس التّنمية بعدد اللايكات.
البلديات وُجدت لفتح المدارس، وخلق فرص العمل، وبناء المراكز الثّقافية والبحثيّة… لا للاحتفال بالفقر ومطالبة النّاس بالتّصفيق له.
الأصالة لا تلغي الضوء
الحنين الحقيقي لا يلغي التّقدم، ولا يطلب من الإنسان أن يتنازل عن حقه في الضوء كي يشعر بالانتماء.
ما نعيشه اليوم ليس عودة إلى الأصالة، بل محاولة وقحة لتجميل الحرمان وتسميته هوية.
الأصالة لا تُقاس بعدد الشّموع، بل بعدد الحقوق المحفوظة.




