هل تنفصل “حركة أمل” لتبقى؟

موسى الصّدر كان يتحدّث عن الدّولة والعدالة الإجتماعيّة أكثر من المقاومة.. التّحوّل بدأ حين امتلأ البقاع بوجوه جديدة بلهجة أخرى وبأسئلة غير قابلة للإجابة.
لم تولد المقاومة في لبنان كفكرة عنف بل كصرخة كرامة، ولم تولد “حركة أمل” كتنظيم سلطة بل كمحاولة يائسة لترميم علاقة مقطوعة بين الدّولة وأطرافها المنسيّة. في تلك اللّحظة البعيدة كان الجنوب جرحًا مفتوحًا وكان السّلاح لغة اضطرارية لا هوية نهائية.
يوم كانت “المقاومة” فعل حماية
لكنّ التّاريخ في لبنان لا يسير بخط مستقيم ما يبدأ دفاعًا قد ينتهي احتكارًا وما يولد من رحم الحرمان قد يتحول مع الزّمن إلى أداة إخضاع.
كان السّلاح خجولًا في البدايات، كان الجنوب يشبه بيتًا بلا سقف، قرى مفتوحة على القصف وطرقات تعرف الدّبابات أكثر مما تعرف روّادها.
الأطفال كانوا يحفظون صوت الطّائرة و صوت القذيفة و يحدّدون مكان إطلاقها و مكان نزولها والنّساء يعددن الغياب كما يعددن الخبز.
في تلك الأيام لم يكن السّلاح يتقدم على الخطاب، كان الإمام موسى الصّدر يتحدّث عن الدّولة أكثر مما يتحدّث عن البنادق وعن العدالة الاجتماعيّة أكثر مما يتحدّث عن الجبهات. كانت المقاومة في ضميره فعل حماية لا فعل سيطرة تشبه الوقوف عند باب البيت لا احتلاله.
حتّى التّسمية كانت حاسمة (أفواج المقاومة اللّبنانية) لا مذهب، لا أمّة عابرة للحدود، ولا وعد بالخلاص الإلهي، فقط لبنان بكل هشاشته وبكل ما يستحق أن يكون.
لكنّ الأفكار حين تفقد حارسها تصبح عارية،
الانسلاخ بدأ حين دخلت العقيدة من الشقوق.
وجوه جديدة بلهجة أخرى
جاء التّحول مع دخان الاجتياح 1982 لم يكن حالة عسكريّة فقط بل حالة تبدّل في المعنى.
امتلأ البقاع بوجوه جديدة بلهجة أخرى وبأسئلة غير قابلة للإجابة. لم يدخل حزب الله من باب الجنوب بل من البيوت المهدّمة ومن الخوف المتراكم ومن وعدٍ يقول إنّ الهزيمة لن تتكرّر جاء بمشروع جاهز مكتمل لا يحتاج إلى نقاش ولا يعترف بالشّك.
هنا لم يعد لبنان وطنًا نهائيًا بل ساحة لم تعد الدّولة سقفًا بل عائقًا ولم يعد السّلاح وظيفة بل هوية تورًّث.
من مقاومة تقول نحمي أهلنا بغياب الدّولة إلى مقاومة تقول نحن الدّولة حين تغيب وحين تحضر، من هنا بدأ الانفصال الحقيقي لا كخلاف سياسي بل كقطيعة في تعريف الوطن نفسه.
حين تحوّل الخلاف إلى دم
في شوارع الضاحية والجنوب عرف النّاس طعم الرّصاص الدّاخلي لم يكن العدو على الحدود فقط بل في الأزقة الضيقة عند الحواجز وفي البيوت الّتي تغير علمها بين ليلة وضحاها.
لم يفهم كثيرون لماذا يُقتل بن القرية على يد ابن قريته لكنّ الصّراع كان أكبر من الأشخاص كان صراعًا على من يملك الصّوت حين تصمت الدّولة ومن يملك السّلاح حين يفيض.
هكذا انزلقت الفجوة إلى اقتتال، لم يكن صراع أخوة بل صراع وريث مع وريث آخر على جسد طائفة تُركت بلا حماية. ومع فائض القوّة حُسم الصّراع لا بالاقتناع بل بالغلبة.
منذ تلك اللّحظة لم تعد الشّراكة ممكنة، صار هناك غالب ومغلوب حتى لو تغيّرت الأسماء.
الثنائي وحدة بلا روح
لم يولد الثّنائي من مصالحة بل من قرار فوقي إقليمي قال كفى اقتتالًا وليكن الاحتكار واحدًا.
تقاسم الطّرفان الأدوار هذا يمسك بالسّلاح وذاك يمسك بالدّولة، هذا يقرّر الحرب وذاك يوقع المراسيم. وحدة شكلية تخفي اختلالًا عميقًا.
ومنذ ذلك الحين لم تعد حركة أمل حركة صارت وظيفة ولم يعد حزب الله شريكًا صار مرجعيّة فوق المحاسبة.
هل تنفصل الحركة؟
اليوم يبدو الارتباط مفيدًا، السّلطة مستمرّة، المواقع محفوظة، والشارع مضبوط. لكن ما لا يحتمل هو الكلفة، كلفة الصّمت، والذّوبان، وتحمّل مشروع دمّر الجنوب.
في السّياسة قد يربح من يبقى لكن في التّاريخ لا يُذكر إلا من اختار.
وحركة أمل إن بقيت حيث هي، ستبقى حاضرة في السّلطة نعم لكنها ستغيب أكثر فأكثر عن المعنى.
تستطيع الانفصال؟ لديها ما تنفصل لأجله؟




