البيئة المستنزفة: حين تُسقط “الدويلة” مفهوم “الدولة” عن ناسها

على مدى عقود، عمل حزب الله على بناء مجتمع موازٍ للدولة اللبنانية، أقنع فيه قاعدته الشعبية بأن أمانهم وكرامتهم واستقرارهم مرتبطون حصراً بمؤسساته وسلاحه، وليس بهوية “المواطنة”. اليوم، ومع اشتعال نيران الحرب ونزوح مئات الآلاف، يجد هذا الجمهور نفسه أمام حقيقة قاسية: لقد تم عزلهم عن مؤسسات الدولة اللبنانية لسنوات، وعندما وقعت الكارثة، اكتشفوا أن “الدويلة” التي وعدتهم بالحماية استثمرت في الصواريخ والأنفاق، لكنها لم تستثمر في خطة طوارئ تحمي الإنسان وتؤمن كرامة النازح في العراء.
عزل البيئة عن مفهوم “المواطنة”
لقد مارس الحزب سياسة “التهجير المعنوي” لبيئته قبل أن يهجرهم عسكرياً. من خلال ربط سبل العيش بالولاء الحزبي، وتهميش دور المؤسسات الرسمية في مناطق نفوذه، خلق الحزب فجوة عميقة بين جمهوره وباقي المكونات اللبنانية. هذا العزل جعل النازح اليوم يشعر وكأنه “غريب” في وطنه، يبحث عن مأوى في دولة ساهم الحزب نفسه في إضعافها وتعطيل مرافقها. الاستثمار في الفقر وتغييب التنمية المستدامة كانا مقصودين، ليظل الفرد مرتبطاً “بالمعونة الحزبية” بدلاً من “الحق القانوني”، مما يسهل اقتياد هذه الكتلة البشرية خلف خيارات انتحارية دون اعتراض.
على مدى عقود، عمل الحزب على بناء مجتمع موازٍ للدولة اللبنانية، أقنع فيه قاعدته الشعبية بأن أمانهم وكرامتهم واستقرارهم مرتبطون حصراً بمؤسساته وسلاحه، وليس بهوية “المواطنة”
صدمة الواقع في مراكز الإيواء
عندما اضطر أهل الجنوب والبقاع والضاحية لترك بيوتهم، لم يجدوا أمامهم “المؤسسات البديلة” التي كان الحزب يروج لعظمتها. وجدوا أنفسهم في مدارس رسمية متهالكة، يعتمدون على مبادرات فردية وجمعيات دولية ودولة “مفلسة” كان الحزب شريكاً أساسياً في إيصالها إلى هذا الانهيار. الصدمة هنا ليست فقط في النزوح المادي، بل في اكتشاف أن “البيئة الحاضنة” تحولت إلى “بيئة مستنزفة” تُدفع كأثمان في صراعات إقليمية لا تخدم أمنهم المباشر. هذا الواقع كشف أن الحزب يملك “خطة هجوم” دائمة، لكنه يفتقر تماماً لـ “خطة أمان” لشعبه.
النزوح كأداة لتعزيز السيطرة
إن إبقاء النازحين في حالة من العوز والضياع قد لا يكون مجرد تقصير، بل سياسة لإعادة إحكام السيطرة. فالإنسان الجائع والمشرد يكون أكثر ارتهانًا لمن يقدم له “كرتونة إغاثة” أو وعداً بإعادة إعمار مستقبلي. الحزب يستغل هذا النزوح ليؤكد لبيئته أن “لا ملجأ لكم إلا إلينا”، رغم أنه كان السبب في فقدانهم لمنازلهم. إن تحويل المواطن إلى “نازح أبدي” يخدم استمرارية المنظومة التي تتغذى على الأزمات. في المحصلة، يظهر أن الرهان على “قوة الحزب” كان خياراً مكلفاً، دفع ثمنه الأغلى أولئك الذين فقدوا أرضهم ووجدا أنفسهم ضحايا “هندسة فقر” مدروسة.
إقرأ أيضاً: “مانيفستو” المبادىء الوطنية والأخلاق الإنسانية




