معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

الخليج والمعادلة الجديدة

المساعدة البصرية: حجم الخط

 

ما هو الدرس الذي خرج منه الخليج العربي من الحرب الإيرانية المكثّفة ضدّ دوله؟
هل مازالت القواعد العسكرية الأميركية في الخليج العربي مظلة أمان كما يُروَّج لها منذ عقود. أم تحوّلت إلى جزء من معادلة التهديد نفسها؟ وما كان يُقدَّم كضمانة للاستقرار، هل بات اليوم عنصرًا يستجلب الأخطار، ويضع دول الخليج في قلب أي مواجهة إقليمية أو دولية، شاءت أم أبت؟ وكيف فهمت السعودية التغيير الكبير في طبيعة العلاقات الدولية؟

 

لم تكن الحرب الأميريكية – الإسرائيلية على إيران مجرد جولة تصعيد عابرة. بل كانت اختباراً صريحًا لنموذج “الأمن بالوكالة”. هذا النموذج الذي ربط استقرار الخليج بإرادة القوى الكبرى. وجرى امتحانه حين سحب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن صواريخ باتريوت وتراجع عن دعم التحالف العربي ضدّ الحوثيين. وتبيّن أنّ هذا التحالف مكلف، وقابل للانفجار في أي لحظة.
المشكلة لم تعد في التحالفات بحدّ ذاتها، بل في طبيعتها غير الثابتة بتغيّر الإدارات الأميركية. فدول الخليج لم تعد بحاجة إلى “حماية” بقدر ما تحتاج إلى استقرار طويل الأمد. والاستمرار في الرهان على معادلات قديمة في عالم يتغيّر بسرعة مخاطرة استراتيجية قد تكلّف المنطقة استقرارها ونموذجها التنموي الذي بُني بشقّ الأنفس.

تراجع أميركا… ونظام متعدّد الأقطاب
العالم اليوم ليس كما كان. نحن أمام تحوّل تاريخي واضح: بداية تشكيك في استمرار الأحادية الأمريكية وصعود نظام دولي متعدّد الأقطاب. قوى جديدة تفرض نفسها، وموازين تتبدل، ومفاهيم النفوذ لم تعد تُدار فقط بالدبابات والقواعد العسكرية، بل بالاقتصاد والتكنولوجيا والشراكات الذكية.
لكن في المقابل، مازالت الولايات المتحدة تعاند للحفاظ على أحاديتها، متمسكة بأدواتها التقليدية: الاحتواء، الضغط، والمشاركة في حروب للحفاظ على نفوذها. وهي نجحت في أماكن كثيرة.
في الجهة الأخرى، تُطرح مقاربات مختلفة، تقوم على فكرة التنمية المشتركة والتعاون بدل الصراع. قد لا تكون هذه الرؤية مثالية أو خالية من المصالح، لكنها تعكس واقعًا جديدًا: ثمة دول صاعدة تريد حصّتها من كعكة حكم العالم.

المعادلة التي ترسمها السعودية
هنا تحديدًا، تقف دول الخليج أمام لحظة مفصلية. وهنا فهمت المملكة العربية السعودية اللعبة الجديدة، حين رسم ولي العهد الأمير محمد بن سلمان خطوطاً جديدة وازن فيها بين علاقاته بالصين وروسيا، وعلاقاته بأميركا وأوروبا. وبات وسيطاً موثوقاً بين روسيا وأوكرانيا، واحتلّت المملكة موقعاً موثوقاً أيضاً في الصراع العربي الإسرائيلي. فلا ذهب إلى التطبيع، ولا وقف إلى جانب إيران. لكن حافظ على علاقات متوازنة مع إيران وخصومها…
اليوم تقف دول الخليج أمام لحظة مفصلية: إما الاستمرار في لعب دور “ساحة” تتقاطع فيها صراعات الآخرين، أو التحوّل إلى فاعل مستقلّ يعيد رسم موقعه في النظام الدولي. وهذا ما بدأ واقعياً وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان فرضه عبر سياسته التي تُظهره الأكثر قدرةً على فهم التنوّع الجديد في مصادر القوّة وطبيعة العلاقات الناشئة في العقد الأخيرة.
كما وتُظهره القيادي الأكثر قدرةً على ابتكار سلوك غير مسبوق يقوم على توازنات دقيقة يؤدّي إلى فرض معادلة: “لا حياد بمعناه السلبي، بل عدم انحياز ذكي يوازن بين المصالح، ويمنع الانجرار إلى محاور مدمّرة”.

ما هو المطلوب؟
المطلوب ليس قطع العلاقات مع أميركا أو روسيا والصين، بل إعادة تعريفها. ليس مواجهة مع واشنطن، بل وضع حدود واضحة: أمن الخليج ليس ورقة تفاوض، واستقراره ليس ساحة اختبار للاستراتيجيات الدولية.
إنّ أخطر ما يمكن أن تفعله دول المنطقة اليوم هو تجاهل هذا التحوّل. فالرهان على عالم انتهى، يعني السقوط معه. أما قراءة الواقع الجديد بجرأة، فقد تكون الفرصة الأخيرة لتفادي أن يتحول الخليج إلى ساحة حرب مفتوحة في صراع لا ناقة له فيه ولا جمل.
الرسالة يجب أن تكون صريحة: زمن تقرير مصير الشعوب من خارجها يقترب من نهايته. ومن لا يكتب موقعه في النظام الجديد، سيُكتب عليه.

 

اقرأ أيضاً: قراءة في خريطة “الإمبراطورية” التركية الناشئة