يشهد العالم اليوم تحولاً غير مسبوق في سياسات الطاقة، مدفوعاً بمتطلبات الأمن الطاقي، والحياد الكربوني، والاستدامة الاقتصادية. ولم يعد الهيدروجين الأخضر والهيدروجين الأزرق مجرد خيارين تقنيين ضمن منظومة الطاقة، بل أصبحا ركيزة أساسية في بناء الاقتصاد العالمي الجديد، خصوصاً في القطاعات التي يصعب إزالة انبعاثاتها الكربونية، وفي مقدمتها النقل الثقيل والصناعات الكبرى.
في هذا المشهد العالمي، تبرز جمهورية الصين الشعبية باعتبارها أحد أهم اللاعبين الدوليين في تطوير تقنيات الهيدروجين، ليس فقط من حيث حجم الاستثمار، وإنما من خلال بناء منظومة صناعية متكاملة تشمل الإنتاج، والتخزين، والنقل، وتصنيع المركبات العاملة بخلايا الوقود، وإنشاء البنية التحتية اللازمة لتشغيلها.
في المقابل، تمتلك دول الخليح وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، جميع المقومات التي تؤهلها لتكون من أكبر منتجي ومصدري الهيدروجين النظيف في العالم، مستفيدة من مواردها الطبيعية الهائلة، ومشروعات الطاقة المتجددة العملاقة، والبنية الصناعية المتطورة، إضافة إلى مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي جعلت الاستدامة وتنويع الاقتصاد أحد أهم مرتكزاتها.
التجربة الصينية… من التخطيط إلى التطبيق
لم تنظر الصين إلى الهيدروجين باعتباره مشروعاً بيئياً فحسب، بل تعاملت معه باعتباره مشروعاً اقتصادياً وصناعياً واستراتيجياً طويل المدى.
فقد نجحت خلال سنوات قليلة في إنشاء منظومة متكاملة تضم مئات الشركات العاملة في تصنيع خلايا الوقود، وأنظمة التخزين، ومحطات التزود بالهيدروجين، إضافة إلى إنتاج آلاف الحافلات والشاحنات التجارية العاملة بالهيدروجين، والتي تعمل بالفعل في العديد من المدن والمناطق الصناعية والموانئ.
تتميز التجربة الصينية بأنّها لم تقتصر على إنتاج المركبات، بل ركّزت على بناء سلسلة القيمة بالكامل، بدءاً من إنتاج الهيدروجين وحتى تشغيل المركبات وصيانتها، وهو النموذج الذي يمكن أن تستفيد منه المملكة بصورة كبيرة.
لماذا النقل الثقيل؟
رغم التوسع العالمي في السيارات الكهربائية، إلا أنّ الشاحنات الثقيلة وباصات النقل العام ما زالت تواجه تحديات تتعلق بمدة الشحن، والوزن، والمدى التشغيلي، وهو ما يجعل الهيدروجين أكثر ملاءمة لهذا القطاع.
فمركبات خلايا الوقود تستطيع قطع مسافات طويلة، مع إعادة التزود بالطاقة خلال دقائق معدودة، كما تحافظ على قدرتها التشغيلية حتى في الظروف المناخية الصعبة، وهو ما يجعلها خياراً مثالياً للنقل بين المدن، والنقل اللوجستي، والموانئ، والمناجم، والمطارات.
وبالنسبة لدول الخليج والمملكة العربية السعودية، التي تمتلك واحدة من أكبر شبكات الطرق في المنطقة، إضافة إلى قطاع لوجستي يشهد نمواً متسارعاً، فإنّ التحول التدريجي إلى النقل بالهيدروجين يمثل فرصة استراتيجية لتعزيز كفاءة منظومة النقل وتقليل الانبعاثات، مع المحافظة على استدامة سلاسل الإمداد.
البنية التحتية… أساس نجاح المشروع
نجاح أي مشروع وطني للهيدروجين لا يعتمد على إنتاج الوقود فقط، بل يتطلب بناء منظومة متكاملة تشمل:
– مصانع إنتاج الهيدروجين الأخضر والأزرق.
– منشآت ضغط وتسييل وتخزين الهيدروجين.
– شبكة وطنية لمحطات التزود بالهيدروجين.
– مراكز متخصصة للصيانة والدعم الفني.
– برامج تدريب وتأهيل للكوادر الوطنية.
– تطوير الأنظمة والمعايير الفنية ومعايير السلامة.
– دعم البحث والتطوير والابتكار.
– توطين الصناعات المرتبطة بخلايا الوقود والخزانات وأنظمة التحكم.
وكلما تم التخطيط لهذه العناصر بصورة متكاملة، أصبحت تكلفة التشغيل أقل، وارتفعت الجدوى الاقتصادية للمشروع على المدى الطويل.
شراكة الصين والخليج… أكثر من تعاون اقتصادي
تمثل الشراكة بين الخليج والصين نموذجاً مثالياً للتعاون في قطاع الطاقة المستقبلية.
فالصين تمتلك الخبرة الصناعية والتقنية، بينما تمتلك المملكة الموارد الطبيعية، والقدرة الاستثمارية، والموقع الجغرافي الذي يجعلها مركزاً عالمياً لإنتاج وتصدير الهيدروجين إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.
من هنا، فإن التعاون مع كبرى الشركات الصينية العاملة في تصنيع باصات الهيدروجين، والشاحنات الثقيلة، وخلايا الوقود، ومحطات التزود بالوقود، يمكن أن يسهم في نقل التقنية، وتوطين الصناعة، ورفع المحتوى المحلي، وخلق آلاف الوظائف النوعية، وتحويل المملكة إلى مركز إقليمي لصناعة الهيدروجين.
رؤية مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية
انطلاقاً من هذه المعطيات، يعمل مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية على إعداد رؤية استراتيجية متكاملة تهدف إلى دعم التحول نحو اقتصاد الهيدروجين في المملكة العربية السعودية، من خلال التعاون مع المؤسسات البحثية وكبرى الشركات الصينية المتخصصة في تقنيات الهيدروجين والطاقة النظيفة.
وترتكز هذه الرؤية على إعداد خارطة طريق وطنية لتطبيق استخدامات الهيدروجين في قطاع النقل، وخاصة باصات النقل العام والشاحنات الثقيلة، باعتبارها المرحلة الأكثر جدوى من الناحية الاقتصادية والبيئية.
كما تشمل الرؤية دراسة الاحتياجات الفعلية للبنية التحتية، وآليات نقل التقنية، وفرص توطين الصناعات المرتبطة بخلايا الوقود، إضافة إلى إعداد نماذج للشراكات الاستثمارية بين القطاعين الحكومي والخاص في المملكة ونظرائهما في الصين.
ويسعى المركز كذلك إلى تنظيم ملتقيات اقتصادية ومنتديات استثمارية وورش عمل مشتركة تجمع صناع القرار والمستثمرين والجامعات والشركات السعودية مع كبار المصنعين الصينيين، بهدف بناء منظومة تعاون مستدامة تسهم في تسريع تبني تقنيات الهيدروجين داخل المملكة.
كما يعمل المركز على إعداد دراسات اقتصادية متخصصة تتناول الجدوى الاستثمارية، وتحليل الأسواق، وسلاسل الإمداد، والفرص الصناعية، بما يدعم متخذي القرار في رسم سياسات عملية تتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
مستقبل يبدأ اليوم
التحوّل نحو اقتصاد الهيدروجين ليس مشروعاً تقنياً فحسب، بل هو مشروع تنموي واقتصادي واستراتيجي يعيد رسم خريطة الطاقة والصناعة والنقل في العقود المقبلة.
وإذا ما استفادت دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، من الخبرات الصينية، وبناء شراكات قائمة على نقل المعرفة والتوطين والابتكار، فإنها لن تكون مجرد منتج للهيدروجين، بل ستصبح مركزاً عالمياً لتقنيات الطاقة النظيفة وصناعة النقل المستدام.
من هذا المنطلق، يؤمن مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية بأن المرحلة القادمة تتطلب الانتقال من مرحلة الدراسات النظرية إلى مرحلة إعداد برامج تنفيذية ومشروعات نموذجية، بالشراكة مع كبرى الشركات الصينية، بما يحقق التكامل بين الخبرة الصناعية الصينية والطموح التنموي الخليجي والسعودي، ويضع المملكة في موقع الريادة العالمية في اقتصاد الهيدروجين خلال العقود القادمة.
إقرأ أيضاً: ٧ أيار إسرائيلي: رسمياً… التواصل مسموح مع تل أبيب