معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

قراءة في خريطة “الإمبراطورية” التركية الناشئة

المساعدة البصرية: حجم الخط

لم تعد تركيا تُقاس بقدرتها على المناورة بين المعسكرات. ما تغيّر بعد 2023 أن أنقرة بدأت تتعامل مع جغرافيتها كأداة حكم مباشر، لا كورقة تفاوض، من شمال سوريا إلى القرن الأفريقي، من بحر إيجه إلى القوقاز، الجغرافيا هي التي ترسم حدود الدور التركي، والدبلوماسية تأتي لتثبيت ما فرضته على الأرض... هنا قراءة في خريطة “الإمبراطورية” الناشئة، من آسيا الوسطى إلى الشرق الأوسط وصولاً إلى أوروبا وأفريقيا.

 

1- سوريا والعراق: خط التماس صار خط سياد 

الوجود التركي شمال سوريا والعراق لم يعد عملية عسكرية مؤقتة. فأنقرة تدير اليوم شبكة حكم محلي، أمن، تعليم، وتجارة في مناطق تمتد لأكثر من 100 كلم داخل سوريا.

التداعيات الإقليمية: تركيا لم تعد تنتظر تسوية في جنيف. هي تبني واقعاً ميدانياً يصعب التراجع عنه، الرسالة موجهة لواشنطن وموسكو ودمشق معاً: أي ترتيب مستقبلي يمر عبر أنقرة، لأنّ التفريغ الأمني بدونها يعني عودة الفوضى.

2- شرق المتوسط: الغاز رسم حدود النفوذ

اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا والصومال، والمناورات المتكرّرة في شرق المتوسط، تقول إن تركيا لا تقبل أن تُستبعد من خرائط الطاقة.

التداعيات الإقليمية: الجغرافيا هنا ليست خط ساحل، بل خط إمداد، من يسيطر على المسارات البحرية والطاقة في المتوسط، يسيطر على مفاتيح الضغط على أوروبا، لذلك تتحرك أنقرة كدولة ساحل، لا كوسيط.

3- القرن الأفريقي: امتداد استراتيجي لا استثمار تجاري

القاعدة التركية في مقديشو، الاتفاقيات الأمنية مع الصومال، والدور الوسيط بين إثيوبيا والصومال، كلها خارج منطق “الدبلوماسية المرنة”.

التداعيات الإقليمية: أنقرة تبني حضوراً دائماً على بوابة باب المندب، الهدف ليس التجارة فقط، بل تأمين مسار بحري حيوي، ومنع فراغ يملؤه لاعبون آخرون، الجغرافيا هنا تفرض على تركيا أن تكون لاعباً بحرياً، لا برياً فقط.

4- القوقاز وآسيا الوسطى: الجسر التركي يتكثف

الدعم التركي لأذربيجان في كاراباخ، واتفاقيات الممرات مع كازاخستان وأوزبكستان، تعيد إحياء فكرة “العالم التركي” كمشروع لوجستي.

التداعيات الإقليمية: تركيا تتحول إلى عقدة عبور بين الصين وأوروبا، بين روسيا والشرق الأوسط، كل طريق بري أو بحري يمر عبرها يصبح ورقة ضغط لا تُشترى بالدبلوماسية وحدها.

5- أوروبا: من طالب عضوية إلى شريك مشروط

أنقرة لم تعد تسوّق نفسها كطالب انضمام للاتحاد الأوروبي، العلاقة اليوم قائمة على الابتزاز الإيجابي: ملف الهجرة، الطاقة، والدفاع.

التداعيات الإقليمية: أوروبا تحتاج تركيا لضبط حدودها الجنوبية، وأنقرة تحتاج أوروبا كسوق وتقنية، النتيجة شراكة باردة قائمة على المصلحة، لا على القيم، الجغرافيا هنا هي التي تفرض الجلوس على الطاولة.

6- خط التماس مع إسرائيل: تقاطع النفوذ في 4 مسارح

التمدّد التركي وضع أنقرة في مواجهة مباشرة مع النفوذ الإسرائيلي في 4 مناطق:

الصومال/أرض الصومال: تركيا تملك قاعدة عسكرية في مقديشو وتدير ملف الأمن والتدريب. إسرائيل اعترفت بأرض الصومال في كانون الأوّل 2025 وتدرس إقامة منشأة عسكرية قرب بربرة. يصير التصادم هنا سياسياً وميدانياً حول بوابة باب المندب.

أذربيجان: تركيا هي الضامن العسكري والسياسي لباكو عاصمة أذربيجان. إسرائيل شريك تسليح واستخبارات رئيسي لأذربيجان. مع تقارير عن استخدام مطارات أذرية في سياق المواجهة مع إيران. هكذا فإنّ أنقرة وتل أبيب تدعمان الدولة نفسها، لكن بأجندات متضاربة.

العراق: الوجود التركي في شمال العراق يصطدم بوجود استخباراتي إسرائيلي مشتبه به في أربيل. إيران استهدفت ما قالت إنّه “مركز موساد” في أربيل عام 2022. ما جعل شمال العراق ساحة تبادل نار غير مباشرة بين أنقرة وتل أبيب عبر وكلاء.

سوريا: بعد 2024 صار التداخل مباشراً… تركيا تسيطر على الشمال، وإسرائيل تشنّ غارات متكررة على الجنوب والوسط، وتسيطر من الجولان إلى جنوب سوريا. وبالتالي فإنّ أي تسوية أمنية في سوريا تتطلب فصلاً أو اشتباكاً بين النفوذين.

التداعيات الإقليمية: لم تعد المواجهة بين تركيا وإسرائيل محصورة بغزة. صارت مواجهة جغرافية ممتدّة على خط يربط البحر الأحمر بالقوقاز. وأنقرة لم تعد تتجنّب التصادم، بل تفرضه كأمر واقع لحماية نفوذها.

تركيا تحكم ما تلمسه

الدبلوماسية المرنة كانت أداة المرحلة السابقة، عندما كانت تركيا تتحرك بين المعسكرات دون أن تملك بديلاً. أما اليوم فالوضع مختلف. أنقرة تملك مناطق نفوذ ميدانية، موانئ، قواعد، وطرق تجارية تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا.

هذا يعني أنّ الدور التركي صار أقل قابلية للتراجع. وأيّ محاولة لإخراج تركيا من المعادلة السورية أو المتوسطية أو الأفريقية تحتاج تكلفة أعلى ممّا كانت عليه قبل 5 سنوات.

تركيا لم تعد تلعب على الحبيلين ولا على حبال الآخرين بل راحت تجدل حبلها الخاص من خيوط ملفاتها المتشعبة معتمدة على موقعها الجغرافي، بأن تجعل منه واقعاً استراتيجياً جديداً تبني عليه مشروعاً سياسياً متيناً يتجاوز نفوذها العسكري والاقتصادي والدبلوماسي.

تركيا تبني الحبل نفسه، والسؤال المتبقي: هل تستطيع تحويل هذا النفوذ الجغرافي إلى مشروع سياسي متماسك، أم سيبقى نفوذاً عسكرياً وتجارياً بلا سقف

استراتيجي؟

 

اقرأ أيضاً: بزشكيان يصارح شعبه: مُفلسون ومُحاصرون والوضع صعب