أحمد بيضون يرثي “روح البيت” الجنوبي

هذه صورةٌ وكلمةٌ في رثاءِ ما يُقالُ لَنا ألّا نأبَهَ لضَياعِه…
أحمد بيضون
هذه مقاعِدُ وجَدتُها عام ٢٠٠٠ في غرفةٍ “صَمَدَت” من بيتِنا الوالديّ الذي كانَ قد زلزلهُ عامانِ من القصفِ المتكَرِّر تلاهُما ٢٢ سنةً من الاحتلالِ والهُجران.
كانت مكسوّةً بغُبارٍ سميكٍ وقد هتَكَ كسوتَها الأصلِيّةَ الزمنُ والجُرذان… ولكنّ خَشَبَها الصُلبَ (وهو القطرانيُّ الثقيلُ الذي كانت تُتّخذُ منه جُسورُ السُقوفِ القديمة) لم يَكن مَسّه أدنى ضَرَر…
جَدّدتُ كسوَتَها بما يَليقُ وجعَلْتُها في صَدارة بيتِنا الجديد. وجعَلتُ، في مواضعَ أخرى من البيتِ، “مَواعينَ”وأشياءَ قليلةً، متواضِعةً جدّاّ، كانت، مع المقاعدِ، كلَّ ما تبقّى في بيتِ أهلي، الفَسيحِ في أيّامِهِ، الذي كان كلُّ ما (ومَنْ) فيه متواضِعاً أصلاً.
هذه المقاعدُ صَنَعَها لِمَضافةِ والدي، في مطلَع الخَمسيناتِ من القرنِ الماضي، نَجّارٌ من بنت جبيل كان يُدعى يوسف محمود بَزّي. فتكونُ قد بَلَغَت، في هذه الأيّام، ثلاثةَ أرباعِ القرنِ من عُمْرِها الذي قَصَفَتْهُ نَكْبَتُنا الجارية.
قمية البيت… روح البيت
هذه المَقاعدُ ما كانَ أيٌّ من تُجّارِ العَتيقِ لِيشتريها بما يَتَعدّى تُرابَ الفُلوس…
هذه المقاعدُ عُنْصُرٌ واحِدٌ من عناصِرَ لا تُحْصى، ولا تُحَدُّ صُورُها وأنواعُها، يتشَكّلُ منها ما يُسَمّيهِ البعضُ من أصحابِ البُيوتِ المهدورةِ “روح البيت”.
وحين يشعرُ صاحبُ البيتِ بروحِ بيتِه ساكنةً في روحِه، يصبِحُ عاجزاً كلّيّاً – إي وحَياتِكُم! – عن تصديقِ القولِ السائرِ: “سنُعيدُها أحسنَ مِمّا كانت”!
*نقلا عن فيسبوك



