ضدّ “أبو علي عيتاني”… وضدّ العميد الفاسد في أمن الدولة

لبنان يبدو بلداً موقوفاً على الثنائيات المقفلة: “مع” أو “ضدّ”. والقلّة التي تحاول الخروج من المحاور، نحو “الدّولة”، يحقّ لها أن تكون ضدّ بلطجيّ فاسد من بلطجية مولّدات الكهرباء والسلطة في زواريب بيروت، وضدّ عميد فاسد في جهاز أمن الدّولة، يأتي من قعر “الدّولة العميقة” التي نسجها حزب الله طوال عقود في إدارات الدولة، أمناً وقضاءً ومالاً وخدماتٍ…
مثيرٌ للشبهة كلّ ما شهدته العاصمة بيروت في حادثة اعتقال أبو علي عيتاني . إن من ناحية الفاعل أو المفعول به أو حجم التفاعل السياسي وشكله الشعبي المفتعل. وكما هي العادة يتم المسارعة إلى حشر الحدث ضمن “ثنائية مقفلة”: مع أو ضدّ. مع استدعاء كلّ العناصر الهوياتية المناطقية والمذهبية بتكثيف يقوّض أيّ هامش لمواقف تكسر هذه الحدية، أو على الأقل تكون منزلة بين المنزلتين. لاختلاق فسطاطين حول بيروت، وأهل السنّة والجماعة، والدّولة.
الطرفان ضدّ الدولة… وأمنها
سارع “تيار المستقبل” و”سماحة” الأمين العام أحمد الحريري، إلى الاستثمار في الخلاف حول تسعيرة مولّد كهربائي. وبما يملك “الأحمدان”، أحمد الحريري وأحمد هاشمية، زرعوا الفتيان والشباب في شوارع بيروت للإيحاء بأنّ المستهدف هو “السنّة”، لأنّه شيعي ذلك العميد الذي أرسل عناصر أمن الدولة لاعتقال بلطجي من بلطجية المولّدات في بيروت. على خلفية إشارة قضائية.
مثيرٌ للشبهة كلّ ما شهدته العاصمة بيروت في حادثة اعتقال أبو علي عيتاني . إن من ناحية الفاعل أو المفعول به أو حجم التفاعل السياسي وشكله الشعبي المفتعل
فمن هو أبو علي عيتاني؟
هو صاحب مجموعة مولّدات كهربائية. يحتكر توزيع كهرباء “الإشتراك”، في غياب كهرباء “الدّولة”. في مساحة جغرافية معينة. بلا ترخيص رسمي. حيث ترك القطاع لقوى السلطة كي تفرض أمراً واقعاً. ضمن توزيع حصص طائفية. كلّ في نطاق نفوذه. وبأسعار لا تلتزم بضوابط وزارة الطاقة. ومثله مولّدات لفتوّات في حركة أمل في مناطق محاذية، وأخرى لفتوّات تابعين لحزب الله ومثلهم لأحزاب مسيحية في شرق بيروت.
وفي حين كان هناك إشارة قضائية لاعتقاله، قرّر العميد في جهاز أمن الدولة محمد شريم إحضار عيتاني إلى التحقيق بقوّة السلاح. وهو أمر لا تقوم به الأجهزة الأمنية مع من هم أكبر من عيتاني وأكثر إجراماً منه. مع تأكيد أبناء المنطقة أنّه يرفض تركيب عدّادات لأهل السنّة في بيروت. أبناء جلدته وطائفته وملّته. ويفرض عليهم رسماً مقطوعاً مخالفاً القانون والأخلاق.
أحمد الحريري ويده “الطايلة“
نشر مواطنون من أبناء ساقية الجنزير أنّ عيتاني هو “الطفل المدلّل” لأحمد الحريري. وأحد المفاتيح الذين يعتمد عليهم في بيروت لملء ساحة الشهداء كلّ 14 شباط، للهتاف لسعد الحريري. وقد سبق أن حماه أحمد الحريري وأخرجه من مطبّات كثيرة حين كانت “يده طايلة” في الأمن والقضاء. وبعدما تراجعت قبضته في إدارات الدولة وأجهزتها، استعاض عن تدخّلاته السياسية بتوزيع وحدات “الموتوسيكلات” في تيار المستقبل، والتحريض الطائفي لتأمين حماية شعبية للمطلوب والبلطجي أبو علي عيتاني.
واستدرج عيتاني أيضاً دار الفتوى ونواب بيروت. وأرسل وفداً من مخاتير بيروت إلى السراي الحكومي للدفاع عن عيتاني. فكان أن تدخّل رئيس الحكومة نواف سلام، فطلب تحويل العميد إلى التحقيق. فاستدعى مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، العميد شريم إلى التحقيق.
عيتاني وشبكة مالية – سياسية
عيتاني هو جزء من شبكة موسّعة تمتدّ في كلّ مناطق الثقل السني. زرعها ونمّاها أحمد الحريري من أصحاب مولدات وفتوات أحياء. وكثيرون منهم من أصحاب السوابق، أو بحقهم مذكرات توقيف مجمدة. وباتوا يشكّلون تياراً موازياً لتيار المستقبل، هدفه السيطرة على المجتمع وإخضاعه ترهيباً.
منذ أبرم الرئيس سعد الحريري التسوية مع رئيس التيار الوطني الحر آنذاك الجنرال ميشال عون، ارتكز أحمد الحريري على ثلاثية ذهبية لصناعة هذا الشبكة من النفوذ: رأس هذا المثلث هو السلطة، وضلعاه هما الأمن والقضاء من جهة، والمتعهدين ورجال الأعمال من جهة ثالثة.
اصطفاء مجموعة من الفتوات هو تقليد سياسي قديم العهد منذ أيام الرئيس رياض الصلح، أحد رموز الاستقلال. غير أن تيار المستقبل توسع في هذا التقليد حيث استخدم واحداً من الأجهزة الاستخباراتية لاعتقال ما يعرف بـ”زعماء الأحياء” والفتوات المؤثرين، وتخييرهم بين إعلان الولاء للمستقبل، أو المكوث في السجن.
عيتاني هو جزء من شبكة موسّعة تمتدّ في كلّ مناطق الثقل السني. زرعها ونمّاها أحمد الحريري من أصحاب مولدات وفتوات أحياء
زعران الأحياء.. بدل النخب
هكذا استطاع أحمد الحريري تكوين شبكة ضخمة، أهميتها أنّها سريعة التأثير، وقادرة على تحريك الشارع غبّ الطلب، ويلعب الكثير من أعضائها دور المفاتيح الانتخابية عند الاستحقاقات.
كما أنّها تجنّب الأمين العام الحريريّ صداعَ نقاشات النخب وصناعة السياسة. فقد خلا تيار المستقبل من المثقفين والنخب السياسية والإعلامية. وبات صحراء قاحلة، ملأ فراغها أمثال أحمد هاشمية وآل العرب.
ناهيكم عن تشابك المنافع من خلف الستار بين طبقة المتعهّدين والتيار الموازي والأجهزة الأمنية، عبر قنوات محدودة تدور في فلك الأمين العام وحده.
الحريري استدرج الجميع أمس
في ظلّ ما نشأ من استقطاب حادّ، يمكن القول إنّ أمين عام تيار المستقبل أحمد الحريري استطاع استدراج الجميع إلى ملعبه، خصوصاً الدولة، عبر صناعة انتفاضة شعبية عنوانها “أبو علي عيتاني”. وحده رئيس الحكومة نواف سلام بدا موقفه متزناً حيث وازن بين رفض الافتئات في استخدام حقّ السلطة، وبين رفض إهانة العاصمة، ورفض الخروج على الدولة.
لكن من الأسئلة التي غيّبت بفعل فاعل هي: كيف يكون صاحب مولد اشتراكات كهربائية مسؤولاً في تيار المستقبل الذي يرفع لواء الدولة، وكان شريكاً أساسياً في الحكم والقرار سحابة عقدين، ولطالما وضع على رأس أولوياته إصلاح قطاع الكهرباء؟ هنا مربط الفرس.
كلّ عناصر الحكاية تتناقض مع روحية الدولة. وتنهل من معين الجماعات الموازية:
– بدءاً من طريقة تنفيذ المداهمة وسببها الركيك وشكل القوّة، بمعزل عن جدلية الإذن القضائي، حيث اكتسى الأمر بطابع جعلها أقرب إلى بلطجة ببزّة رسمية لضابط سجلّه ملتبس ينتمي إلى جهاز إرثه كارثي. إذ ذاك تمسي الحالة أقرب إلى التعسّف في استخدام حقّ السلطة لأهداف شخصية، أو مذهبية.
– وصولاً إلى طريقة الاعتراض على التوقيف، عبر مشهدية تجعلنا إزاء “جمهورية الموتورات” وأصحابها من السادة الزعماء، حيث استخدمت كل أدوات الشارع وتحفيز العصبيات لتحرير المعتقل على طريقة مسلسل “باب الحارة” السوري الشهير وكأننا إزاء سلطة مستعمرة.
“الدّولة” هي نقيض ما فعله بلطجي من “أمن الدولة” وبلطجي آخر من “تيار المولّدات”.
“الدّولة” هي أن يذهب أبو علي عيتاني إلى السجن، إلى جانب العميد شريم.
إقرأ أيضاً: سلام “اعتذر” عن زيارة واشنطن.. فلماذا زار باريس؟



