تنتهي الحرب مع وقف إطلاق النار وصمت السلاح، لكنّها تكون قد بدأت، وتستمرّ في حياتنا. تترك ندوباً يصعب التغاضي عنها، وذكرياتٍ يصعب نسيانها. وتبدأ المعركة داخل كلّ من عاشها. وكثيرون يخرجون من صخب الأصوات والنزوح والهروب، إلى معاناةٍ قد تكون أكبر وأشدّ وقعاً على النفوس… هنا محاولة لفهم كيف يمكن أن نحمي جهازنا العصبي خلال الحرب وبعدها.
الصدمة الفسية ليست حدثًا عابرًا ينتهي بانتهاء الحرب أو الكارثة، بل قد تبدأ بعدها. هذا ما تشرحه المعالجة النفسية لُمى أمهز جوليان، في حديث لموقع “الدّولة”: “الكثير من الأشخاص لا تظهر عليهم الأعراض خلال الحرب، لأنهم يكونون في حالة “البقاء على قيد الحياة Surviving. لكن مع عودة الهدوء تبدأ هذه الأعراض بالظهور بشكل أوضح”.
نعيش جميعًا صدمات متراكمة، ويأتي حدث كبير كالحرب ليكون محفّزًا يحرّك ما هو مكبوت داخلنا. تختلف طرق التعبير من شخص لآخر، فبعض الأشخاص قد لا تظهر عليهم أعراض واضحة خلال الحرب، لكن مع مرور الوقت تبدأ بالظهور، فيما يُعرف بـ”اضطراب ما بعد الصدمة”.
وتُضيف لما أمهز: “تظهر هذه الحالة من خلال استرجاع متكرّر للأحداث عبر الكوابيس، أو حالة يقظة مفرطة، أو تجنّب كل ما يذكّر بالحدث الذي مضى. وتؤثر هذه الأعراض بشكل مباشر على الحياة اليومية، فتظهر صعوبات في النوم: توتر دائم، مشاكل في العلاقات الاجتماعية، وفقدان الشعور بالأمان أو تحديد الهدف من الحياة”.
من “البقاء” الى “العيش بعد الحرب”
توضح المعالجة النفسية التي تستقبل عدداً من الذين يعانون هذه العوارض، أنّ “الجهاز العصبي يتكيّف مع الخطر بسرعة. لكنّه يحتاج وقتًا أطول ليتعلم الشعور بالأمان من جديد. وهو ما يفسّر استمرار القلق حتّى بعد انتهاء الحرب. وفي حال لم يتم فهم هذه الأعراض والتعامل معها مبكرًا، فإنها قد تتحول إلى نمط حياة مرهق وغير مرئي”.
في مجتمعات غير مستقرة، مثل لبنان، لا يكون القلق بعد الحرب شعورًا عابرًا، بل حالة مستمرة من الترقب والخوف. يعتاد الجهاز العصبي على الخطر، ويبقى في حالة تأهّب حتى في غيابه، ما ينعكس على شكل أفكار سلبية، توتّر جسدي، وصعوبة في الاسترخاء.
من هنا، لا يكمن التحدي فقط في تهدئة القلق، بل في تعليم الجسد كيف يعود للشعور بالأمان من جديد، وغالبًا ما يتحقق ذلك من خلال الدعم أو الجلسات العلاجية.
خلال الحرب، يركّز الإنسان على البقاء والنجاة، متخليًا مؤقتًا عن احتياجاته النفسية والعاطفية. لكن بعد انتهائها، تبدأ رحلة مختلفة: الانتقال من “البقاء على قيد الحياة” إلى العيش الطبيعي مجدّداً.
تنصح لما بضرورة “منح النفس الوقت الكافي للتعافي، وعدم تجاهل المشاعر أو التقليل من أهميّتها. لأن الاعتراف بالألم هو الخطوة الأولى نحو الشفاء. وإعادة بناء الذات تتطلب وقتًا ووعيًا، وعودة تدريجية للتواصل مع الجسد والمشاعر والعلاقات. قد تكون هذه الرحلة طويلة ومؤلمة، وقد تمتد لسنوات، وتختلف من شخص لآخر بحسب صدماته المتراكمة، لكنها أيضًا فرصة لإعادة تشكيل الهوية بطرق أكثر صدقًا ووعيًا”.
رغم ذلك، يسود في المجتمعات التي تعاني من الحروب نوع من الصمت النفسي. ليس لأنّ الناس لا تعاني، بل لأنّ حجم المعاناة قد يكون أكبر من أن يُعبّر عنه بسهولة. كما أنّ البعض قد يرى التعبير عن الألم ضعفًا، أو يخشى أن مشاركة المعاناة تزيد من حدّتها.
وفي هذا السياق تُشير لُمى إلى أن “الكثير من الأشخاص يتجنّبون التعبير عن معاناتهم خوفًا من الحكم عليهم، أو اعتقادًا أنّ ما يشعرون به غير مهم. لكن هذا الصمت قد يؤدي إلى تراكم الألم وظهوره لاحقًا بطرق مختلفة. ولهذا الصمت ثمن. فالألم غير المُعبَّر عنه لا يختفي، بل يتحول إلى أعراض نفسية وجسدية تظهر لاحقًا. لذلك، فإنّ كسر هذا الصمت وخلق مساحات آمنة للتعبير يُعدّ خطوة أساسية في طريق التعافي”.
العلاج النفسي بعد الحرب ليس رفاهية
العلاج النفسي في مجتمعاتنا ليس رفاهية، خصوصاً بعد الحروب، بل ضرورة لإعادة التوازن الداخلي. فهو يوفّر مساحة لفهم الذات، وتفكيك آثار الصدمة، واستعادة الشعور بالسيطرة.
وردّا على سؤال، تجيب لما أمهو جوليان: “طلب المساعدة لا يعني الضعف، بل هو خطوة واعية نحو استعادة التوازن والتحكم بالحياة. ومع ذلك، تواجه هذه العملية تحديات عدة، منها الوصمة الاجتماعية، وصعوبة الوصول إلى خدمات نفسية، والضغوط الاقتصادية، بالإضافة إلى الخوف من الإفصاح عن الخصوصيات الشخصية. لذلك من المهم تطوير أشكال متنوعة من الدعم، مثل الجلسات الفردية أو مجموعات الدعم، لتكون متاحة وآمنة للجميع”.
وتوضح أنّ “الخروج من آثار الحرب لا يعني العودة إلى ما كنّا عليه سابقًا. لأنّ ما كان يُعرف بمنطقة الراحة Comfort Zone قد تغيّر أو انهار، بل يعني بناء طريقة جديدة للعودة إلى نمط الحياة الطبيع. يبدأ ذلك بالاعتراف بالألم، وخلق روتين يومي يمنح شعورًا بالأمان، وبناء علاقات داعمة، والاهتمام بالصحة الجسدية، والتعبير عن المشاعر عبر الكتابة أو التعبير بالفنّ أو ممارسة الرياضة، وطلب الدعم من أشخاص موثوقين أو خبراء. لأنّ التعافي بعد الحرب ليس مسارًا سريعًا أو سهلًا، بل هو عملية تدريجية تنقل الإنسان من مرحلة النجاة إلى مرحلة الحياة”.
في لبنان اليوم، يعيش كثيرون آثار حرب غير مرئية. القلق لم يعد حالة طارئة، بل أصبح نمطًا مستمرًا. الجسد الذي اعتاد على التهديد يبقى في حالة تأهّب حتّى في لحظات الأمان، ما يؤثر على النوم والعلاقات والإحساس بالاستقرار.
ورغم ذلك، فإنّ التعافي ممكن. ليس فقط على المستوى الفردي، بل الجماعي أيضًا. وحين نمنح أنفسنا الإذن بالشعور والتعبير، نكون قد بدأنا أولى خطوات الشفاء.
إقرأ أيضاً: نازحو “بيال” يتمسّكون بالمخيّم: إيواء.. سياسة.. أو أمن؟