تبدو عودة الجنوبيين إلى قراهم قضية سياسية في ظاهرها، لكنها في حقيقتها معركة مع الوقت. فالوقت ليس محايداً، بل خصم شرس يغيّر العادات ويعيد تشكيل الاستقرار في أماكن أخرى.
هل عودة الجنوبيين مرهونة بالسلام، أم بحصر السلاح، أم بإعادة الإعمار؟
العودة ليست قراراً إدارياً. ليست بياناً حكومياً، ولا خريطةً لتوزيع الأموال. العودة في مكان آخر تماماً: في العمر الذي يمضي بعيداً، وفي العادات التي تتبدّل، وفي أجيال خرجت من الجنوب أطفالاً ولم تعد تعرفه إلا كحكاية تُروى بشجنٍ على ألسنة الأمهات. هناك اليوم جيلٌ كامل لم يعرف الجنوب مكاناً يومياً، لم يعرف طريق المدرسة فيه، ولا أسماء الجيران، ولا زواريب الحارات. صار الجنوب بالنسبة إليه صوتاً عذباً يشبه المواويل القديمة: قريباً من الروح، بعيداً جداً عن الحياة.
نزوح يتحوّل إلى استقرار جديد
منذ أيام، انتشر خبر افتتاح مؤسسة جديدة لصاحبها الآتي من قرية حدودية. خبرٌ عادي وجميل في ظاهره، لكنه حين يُوضَع في سياقه، وإلى جانب عشرات المؤسسات المشابهة، يصبح مؤشراً إلى أنّ ما يجري لم يعد نزوحاً مؤقتاً، بل انتقالاً بطيئاً نحو استقرار بديل. فالناس لن تنتظر إلى ما لا نهاية. الحياة لا تُعلّق نفسها على قرار. السكن والعمل يخلقان جذوراً جديدة، والوقت يجعل الأماكن البديلة مساحة طبيعية للبقاء.
انقطاع الخيط مع الأرض
قبل الحرب الأخيرة، كان الجنوبيون المقيمون في المدن يعودون أسبوعياً إلى قراهم. كانت الزيارات القصيرة خيطاً رفيعاً يربطهم بالأرض، واللهجة، والمواسم، والقبور. كان الجنوب حاضراً في الغياب. أمّا اليوم، فقد انقطع هذا الخيط: لا زيارات، ولا روتين، ولا حتى مونة الضيعة في الأطباق اليومية. لا تفاصيل صغيرة تحمي الذاكرة من التآكل. وكلما طال الانقطاع، ابتعدت العودة أكثر. وإن حصلت يوماً، فقد تكون عودة ناقصة وباردة، تشبه زيارة مكان قديم أكثر مما تشبه العودة إلى البيت.
الخطر الحقيقي
الخطر ليس فقط ألّا يعود الناس. الخطر أن يعودوا بلا حياة: أن تعود البيوت بلا حكايات، والقرى بلا أجيال، والجنوب بلا استمرارية. قد يتوقف الموت، وقد تتغير المعادلات، لكن وحده الوقت، إذا خسرناه، لن يعيده لا السلام ولا الإعمار.