معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

بوسطة الإسناد: رحلة الحزب من “الحماية” إلى “التدمير الكامل”

المساعدة البصرية: حجم الخط

ويلٌ لوطنٍ يصبح فيه الطريق إلى الخراب أقصر من الطريق إلى الحقيقة، ويُقاس فيه صراخ الناس بمدى إزعاجه لأصحاب البنادق لا بمدى وجعه.

 

في لبنان، لم يعد حزب الله حزباً سياسياً ولا حتى تنظيماً عسكرياً بالمعنى التقليدي. لقد أصبح سائق بوسطة. سائق متوتر، يرفض قراءة الخرائط، يكره إشارات السير، ويعتبر أن كل من يسأله: “إلى أين نحن ذاهبون؟”، هو “عميل لغرفة التحكم المرورية في السفارة الأميركية”.

في البداية، صعد اللبنانيون إلى البوسطة على أساس أنّها رحلة حماية. قيل لهم إن السائق يعرف الطريق جيداً، وإنّ الرحلة قصيرة، وإنّ الهدف فقط هو حماية الحدود ومنع الإصطدامات الكبرى. لكن شيئاً فشيئاً، إكتشف الركّاب أنّ السائق لا يقود نحو لبنان أصلاً، بل يقود لبنان نفسه كحمولة إضافية على طريق طويل يبدأ من الجنوب ولا ينتهي إلا عند أوتوسترادات طهران.

الحرب الدائمة بدل “الحماية”

عندما انطلقت بوسطة الإسناد، لم يسأل أحد لماذا تحوّلت قرى الجنوب إلى محطات تفتيش إقليمية، ولماذا أصبح اللبناني مطالباً بأن يدفع فاتورة كل حرب تدور على بعد آلاف الكيلومترات عنه. فجأة، وجد الجميع أنفسهم داخل بوسطة قديمة، يقودها رجل يعتقد أن التراجع خيانة، وأن الإصطدام الدائم هو شكل من أشكال الكرامة الوطنية.

المضحك المبكي أنّ السائق نفسه هو من يصنع المنعطفات الخطرة، ثم يصرخ في الركّاب: ممنوع تغيير السائق في المنعطف. هو من يأخذ البوسطة إلى الهاوية، ثم يطلب من الجميع التصفيق لمهارته في تفادي السقوط الكامل.

كلّما اهتزّت البوسطة فوق حفرة جديدة، خرجت علينا “بروليتاريا” الممانعة لتشرح أنّ ما يجري ليس انهياراً بل إسناداً. لكن عن أيّ إسناد تتحدّثون؟

فهل تدمير القرى إسناد؟ وهل تهجير الجنوبيين إسناد؟ وهل منح آلة القتل الإسرائيلية ذريعة تلو الذريعة لنسف تراث قرى الجنوب وحضارتها يُسمّى إسناداً؟

الحزب يدفع ناسه نحو الهاوية

يعرف قادة حزب الله أنّهم، بهذا النهج، يمهّدون الطريق أمام آلة الموت لتجعل من الناس ضحايا مشروع إبادة مفتوح. وأيّ استراتيجية هذه التي تقوم على القتال حتى آخر شيعي، حتى آخر بيت، حتّى آخر حبّة تراب من جبل عامل؟ وهو ما يعرفه جيّداً نواب حزب الله ويقولونه على مسامع الشيعة من على شاشة قناة “المنار”. وأخرهم علي عمّار الذي قال: “لن نسلّم السلاح حتّى لو بقي شيعي واحد في جنوب لبنان”.

الجنوب يحترق، لبنان يختنق، فيما اللبناني يشعر أن حياته كلّها تحوّلت إلى مشروع تضحية دائم. وطنٌ يواجه عدواً أمامه، وآخر خلفه، وشعبٌ يُدفع إلى الهاوية باسم الشعارات الكبرى.

المأساة أنّ السائق قرّر أن تتحوّل البوسطة اللبنانية من وطنٍ يحمل أبناءه إلى سيارة إسعاف للمحور الإيراني بأكمله، فيما الركّاب عالقون بين الحريق والخوف والانهي

الأمر لم يعد يشبه سياسة، بل عملية اختطاف جماعي. فحزب الله لا يتعامل مع الدولة كدولة، بل كبوسطة مصادرة. يضع سلاحه مكان المقود، وشعاراته مكان لوحات السير، ثم يطلب من الركّاب أن يقتنعوا بأنّ السير بسرعة جنونية فوق الجسور المحترقة هو طريق القدس.

كلّ أزمات الشرق الأوسط في لبنان

لبنان اليوم ليس دولة. إنه موقف بوسطات إقليمي.

كلّ أزمة في الشرق الأوسط تمرّ عبره، وكلّ حريق يتوقّف فيه قليلاً قبل أن يكمل طريقه. أما حزب الله، فقد أقنع نفسه بأنّه ليس مجرد سائق، بل صاحب الطريق نفسه، وأنّ من حقّه أن يقرّر إلى أين يذهب ملايين اللبنانيين، حتى لو كانت الوجهة النهائية حائطاً إسمنتياً بسرعة مئة كيلومتر في الساعة.

عندما تتوقّف البوسطة أخيراً، لن يقف السائق ليعتذر. سيقف فوق الحطام، يمسح الغبار عن سترته، ويعلن بثقة أنّ المشروع انتصر. أما الركاب، فسيكونون منشغلين بعدّ الخسائر، والبحث بين الركام عن وطن كان يفترض أن توصلهم إليه هذه الرحلة… لا أن تدهسه في الطريق.

 

إقرأ أيضاً: ماذا يفعل اليمنيون والأفغان والعراقيون في جنوب لبنان؟