ليس المقصود من هذه المقالة إدانة كل اللبنانيين أخلاقيًّا، بل تحليل البنية الثقافية التي جعلت الفساد ممكنًا. وعليه، ليس كل اللبنانيين فاسدين. لكنّ الفساد أصبح أفقًا ثقافيًّا عامًّا يتنفّسه الجميع، حتّى الذين حاولوا مقاومته.
بعد سنواتٍ على الانهيار المالي اللبناني الكبير، ما زال معظم اللبنانيين يبحثون عن المذنب كما لو أنّ الكارثة نزلت عليهم من السماء فجأةً، أو كما لو أنّها مؤامرةٌ حيكت ضدّهم في مكانٍ ما. لكنّ السؤال الحقيقي ليس: مَن أوصل اللبناني إلى هنا؟ بل: لماذا وصل إلى هنا؟
صحيحٌ أنّ شخصيّاتٍ سياسيةً وماليةً بعينها تتحمّل مسؤولياتٍ كبرى، وصحيحٌ أنّ النظام السياسي اللبناني أنتج طبقةً من المنتفعين الذين نهبوا الدولة والمجتمع معًا، لكنّ ذلك لا يكفي لفهم ما جرى. فلو كانت المشكلة محصورةً ببضعة أفرادٍ أو مجموعاتٍ صغيرة، لما استطاع الفساد أن يستمرّ عقودًا طويلةً وأن يتحوّل إلى ما يشبه القدر الجَماعيّ الذي أصاب الجميع.
ما حدث في لبنان يكشف عن ظاهرةٍ أعمقَ بكثير: لقد تحوّل الفساد من ممارسةٍ إلى ثقافة، ومن ثقافةٍ إلى نمط حياة، ومن سلوكٍ فرديٍّ إلى طريقةٍ في رؤية العالم وتأويله والتعامل معه.
رياض سلامة لم يأتِ من كوكبٍ آخر
ليس رياض سلامة شخصًا هبط على اللبنانيّين من كوكبٍ آخر، بل ابنُ هذا المجتمع وثمرةٌ من ثماره. لقد نجح في أدائه المديد الفاسد لأنّ المجتمع كان مستعدًّا لتصديقه، ولأنّ ما عرضه عليه كان يلبّي رغبةً دفينةً لدى عددٍ كبيرٍ من اللبنانيين: الثراء السريع من دون إنتاجٍ حقيقيّ. الثراء بأيّ وسيلة حتى لو كانت مناقضةً لكل منطق اقتصادي.
لقد أحب اللبناني الفوائد المرتفعة، وأعجبته الأرباح السهلة، فصدّق أنّ الاقتصاد يستطيع أن يتحدّى قوانين الاقتصاد. وعندما كان بعض الاقتصاديين أو المراقبين يحذّرون من الكارثة القادمة، اتّهموا بالتشاؤم والسوداوية وعدم القدرة على رؤية “الإنجازات”. بل إنّ كثيرين ممّن كانوا يسمعون التحذيرات ويعترفون بوجاهتها، أودعوا أموالهم في المصارف طمعًا بالفوائد الخيالية. وعليه، كان المجتمع اللبناني بمختلف فئاته وطبقاته، يرغب في أن يصدّق الوهم الاقتصادي. لذلك صدّقه.
من النموذج الاقتصادي إلى النموذج الجِحَوي
ما حصل لم يكن مجرّد خطأٍ اقتصاديّ، بل كان نمطًا خاصًّا من التفكير يمكن تسميته بالنموذج الجِحَوي. ففي التراث الشعبي، كثيرًا ما يتصرّف جحا وفق منطقٍ يعرف تناقضاته، بل يعرف أنّه غير صحيح بحيث يكذب الكذبة ويُصدقّها. ومع ذلك يستمرّ في تصديقه لأنّه يحقّق له منفعةً ما أو يمنحه راحةً نفسية. وهذا بالضبط ما فعله اللبنانيون.
كان اللبنانيون يعرفون في قرارة أنفسهم أنّ الفوائد الخيالية غيرُ طبيعية، وأنّ أداء الاقتصاد اللبناني لا يسمح بإعطاء فوائدَ فاحشة، وأنّ الدين العام يتضخّم بصورةٍ جنونية، لكنّهم، مع ذلك، فضّلوا تصديق الوهم وتجاهل الواقع ما دام الوهم مربِحًا. وعليه، استبدلوا الحقيقة بالرغبة، والواقع بالأمنية.
وهذه ليست مشكلةً اقتصاديةً فحسب، بل مشكلةٌ معرفيةٌ وأخلاقيةٌ أيضًا. فعندما تصبح الرغبة معيارًا للحقيقة، يفقد العقل قدرتَه على الحكم، ويتحوّل الوهم إلى واقعٍ بديل.
لماذا يدافع الناس عمّا يدمّرهم؟
طرح سبينوزا منذ قرونٍ، سؤالًا ما زال يحتفظ براهنيّته المذهلة: لماذا يسعى الناس إلى عبوديتهم كما لو أنّهم يسعون إلى خلاصهم؟
السؤال نفسه يمكن طرحه على الحالة اللبنانية:
كيف استمرّ الناس في انتخاب القوى نفسها التي أوصلت البلد إلى الانهيار؟ كيف استمرّوا في الدفاع عن زعمائهم بعد افتضاح فسادهم؟ كيف استمرّوا في الثقة بالنظام المالي بعد ظهور مؤشرات كثيرة على الانهيار؟
لا يكمن الجواب في الخوف وحده (الأجهزة القمعية)، ولا في التضليل وحده (الأجهزة الإيديولوجية) على ما ذهب إلى ذلك غرامشي، بل في الرغبة أيضًا (دولوز وغتاري). فالإنسان لا يُخدَع دائمًا ضدّ رغبته وإرادته (هذا ما يفسِّر صعود النازية). بل كثيرًا ما يتواطأ مع الوهم عندما يلبّي الوهم مصالحه أو رغباته أو مخاوفه. هكذا يصبح الدفاع عن النظام الفاسد دفاعًا عن بعض المنافع التي يمنحها، ولو كانت موقّتةً أو وهمية.
من المواطن إلى الزبون
في الدولة الحديثة يوجد مواطنٌ يمتلك حقوقًا وواجباتٍ متساويةً مع غيره أمام القانون. أمّا في لبنان، فقد جرى استبدال المواطن بالزبون السياسي.
هكذا لم يعد الفرد يسأل: ما الذي يضمنه القانون لي؟ بل صار يسأل: مَن الزعيم القادر على حمايتي وتأمين مصلحتي؟
هكذا تحوّلت العلاقة بين المواطن والدولة إلى ما يشبه العلاقة بين زبونٍ وراعٍ. فالزعيم يمنح الوظيفة أو الخدمة أو الحماية، والفرد يمنحه الولاء السياسي والطائفي المطلق.
في ظلّ هذه المعادلة، تراجعت الدولة بمؤسّساتها وأجهزتها وتقدّمت الشبكات الزبائنية. وصار الانتماء إلى الطائفة أو الحزب أو الزعيم أكثر فاعليةً من الانتماء إلى الوطن نفسه.
لماذا فشلت المدرسة والجامعة في إنتاج المواطن؟
هنا نصل إلى السؤال الأهمّ: من أين جاء هذا المواطن الزبون؟ وكيف أُعيد إنتاجه جيلًا بعد جيل؟
لا يمكن فهم الأزمة اللبنانية من دون التوقّف عند المدرسة والجامعة. لقد نجحت المدرسة والجامعة في إنتاج أعدادٍ كبيرةٍ من المتعلّمين وحملة الشهادات العليا، ومع ذلك أخفقت إلى حدٍّ بعيدٍ في إنتاج المواطن اللبناني الذي بقي نادرًا ولا يؤلِّف تيّارًا وازِنًا.
فالمدرسة اللبنانية ركّزت على النجاح الفردي أكثر ممّا ركّزت على المسؤولية العامة. واهتمّت بتلقين المعارف أكثر ممّا اهتمّت ببناء الحسّ المدني والنقدي الذي يبني الإنسان.
تعلّم التلميذ الرياضيات والعلوم واللغات، لكنّه لم يتعلّم كيف يدافع عن الصالح العام. حفظ النصوص والوقائع، لكنّه لم يتدرّب على مساءلة السلطة أو مقاومة الظلم أو احترام القانون بوصفه قانونًا للجميع.
لهذا السبب وجد اللبنانيون أنفسهم أمام مفارقةٍ لافتة: مجتمعٌ مليءٌ بالأطباء والمهندسين والمحامين وأساتذة الجامعات، لكنه يعاني في الوقت نفسه من ضعفٍ شديد في الثقافة المدنية والمواطنة ومن تراجع كبير في الانتماء الوطني. لقد خرّج متعلّمين أكثر ممّا أنتج مواطنين.
وعليه، لم يكن فشل المدرسة والجامعة في إنتاج المواطن مجرّد مشكلةٍ تربوية، بل كان أحد الشروط الأساسية لانتشار الفساد نفسه. فحين يضعف الحسّ المدني، وتتراجع فكرة الصالح العام، ويتحوّل النجاح الفردي إلى قيمة العليا، يصبح الفساد سلوكًا “عقلانيًّا” في نظر كثيرين. عندها لا يعود السؤال: كيف أخدم المجتمع؟ بل: كيف أستفيد منه؟ هكذا يلتقي فشل التربية مع منطق الزبائنية والفساد في إنتاج الفرد الذي يطالب بحقوقه الخاصة وينسى واجباته العامة.
الفساد كثقافة وطريقة في العيش
هكذا يتبيّن أنّ المشكلة لا تتوقف عند حدود السلوك. فالفساد في لبنان لم يعد مجرد مفهومٍ يشير إلى ممارسةٍ منحرفة لدى البعض، بل تحوّل إلى ثقافة وطريقة في العيش عند غالبية اللبنانيّين، أي إلى طريقةٍ في الإدراك والتأويل والحكم على الأشياء.
هكذا صارت الرشوة تُسمّى إكرامية، والواسطة مساعدة، والتهرّب الضريبي شطارة. وتحول نهب المال العام إلى دفاعٍ عن حقوق الطائفة أو الجماعة.
لذلك لم يكتفِ المجتمع بممارسة الفساد، بل أعاد تأويله أخلاقيًّا ولغويًّا بحيث أصبح مقبولًا ومبرَّرًا، بل ممدوحًا ومرغوبًا فيه أحيانًا كثيرة. وهنا تكمن خطورته الحقيقية. فالفساد يصبح أكثر رسوخًا عندما يتحوّل من جريمةٍ إلى فضيلة.
لماذا فشلت النخب؟
لو كان الفساد محصورًا بالسياسيين لكان إصلاحه أسهل بكثير. لكنّ الأزمة اللبنانية كشفت فشلًا واسعًا للنخب نفسها.
فكم من إعلاميٍّ برّر؟
وكم من خبيرٍ اقتصاديٍّ زيّن الوهم؟
وكم من رجل دينٍ بارك الزعيم بدل أن يراقبه؟
وكم من أستاذ جامعيّ صمت وقتَ كان يجب أن يتكلّم؟
بل إنّ بعض النخب لم تكتفِ بالصمت، بل تحوّلت إلى جزءٍ من ماكينة إنتاج الوهم نفسها. فالإعلاميّ الذي كان يفترض أن يكشف الحقيقة ساهم في تسويقها، والخبير الذي كان يفترض أن يحذّر من الانهيار منح النظام شهادات حسن سلوك، ورجل الدين الذي كان يفترض أن يسمو فوق العصبيات الطائفية تحوّل في كثير من الأحيان إلى حارسٍ لها.
هكذا أخفقت النخب الثقافية والتربوية والإعلامية في أداء وظيفتها النقدية، فتحوّل كثيرٌ منها إلى جزءٍ من أنظومة السلطة الفاسدة نفسها بدلًا من أن يكون رقيبًا عليها. وعليه، لم يفشل السياسي وحده، بل فشلت معه أيضًا مؤسسات الدولة (القضاء والمجلس النيابي على سبيل المثال) التي كان يُفترض أن تراقبه وتحاسبه.
عبادة الوهم
لكن ما دمّر لبنان ليس الفساد وحده. فهناك مجتمعات أكثر فسادًا من لبنان ولم تنهَر بهذه الصورة الدرامية.
تكمن الخصوصية اللبنانية في شيءٍ آخر، ألا وهو عبادة الوهم:
– وهم أنّ المصارف اللبنانية لا تفلس.
– وهم أنّ العملة لا تنهار.
– وهم أنّ الزعيم لا يخطئ.
– وهم أنّ الطائفة تمتلك الحقيقة.
– وأخيرًا، وهم أنّ الاقتصاد قادر على إنتاج الثروة حتى من دون إنتاج.
لقد عاش اللبنانيون داخل عالمٍ من الصور والأساطير أكثر ممّا عاشوا داخل عالم الوقائع. وحين اصطدمت الأوهام بالواقع، كان الانهيار عنيفًا بقدر ضخامة الوهم نفسه.
عندما يحلّ العقل في التاريخ
يعتقد الناس أحيانًا أنّ التاريخ ينسى، وأنّ الواقع قابلٌ الخداع إلى ما لا نهاية. لكنّ التاريخ لا يرحم ويمتلك منطقه الخاص. قد يتأخّر الحساب، لكنّه يأتي. وقد ينجح الوهم سنواتٍ طويلة، لكنّه لا يستطيع إلغاء قوانين الواقع.
لقد عاش اللبنانيون زمنًا طويلًا داخل دولةٍ متخيَّلةٍ واقتصادٍ متخيَّلٍ وازدهارٍ متخيَّل، إلى أن جاء يوم الحساب إذ اصطدم الخيال بالواقع. عندها حلّ المنطق والعقل في التاريخ. فالتاريخ ليس سوى اللحظة التي تدفع فيها المجتمعات ثمن الأوهام التي بنتها حول نفسها.
ما الذي ينبغي تعلّمه؟
ليست العبرة في البحث عن كبش فداء جديد، ولا في استبدال زعيمٍ بزعيم، ولا في انتظار معجزةٍ ماليةٍ جديدة، بل في إدراك أنّ إصلاح الدولة يبدأ من إصلاح العلاقة بالحقيقة.
فالمجتمعات التي تعشق الوهم تنتِج أوهامًا جديدةً في كل مرة. والمجتمعات التي ترغب في الفساد تعيد إنتاج الفاسدين مهما تغيّرت الأسماء والشعارات.
لقد كان الانهيار اللبناني، في أحد وجوهه، لحظة اصطدام مجتمعٍ كاملٍ واهمٍ بنتائج أوهامه الخاصة وتداعياتِها. لذلك فإنّ الخروج من الكارثة لا يقتضي تغيير الحكّام فقط، بل تغيير الثقافة التي جعلت من الفساد نمطَ حياة، ومن الزبائنية بديلًا عن المواطنة، ومن الشهادة العلمية بديلًا عن التربية، ومن الوهم بديلًا عن الحقيقة.
وعليه، لم يسقط لبنان لأنّ سياسيّيه كانوا فاسدين فقط، ولا لأنّ مصارفه كانت مفلسة فقط، بل لأنّ مؤسساته التربوية والثقافيّة والاجتماعية أخفقت في تنشئة المواطن القادر على مقاومة الفساد والحفاظ على المصلحة العامة.
لقد أنتج المجتمع اللبناني خبراء أكثر ممّا أنتج أصحاب ضميرٍ عام، وأنتج أفرادًا يبحثون عن نجاحهم الشخصي حتى لو كان على حساب المصلحة العامة والصالح المشترك . من هنا تبدأ المراجعة الحقيقية، إذا أراد اللبنانيون فعلًا ألّا يُكرّروا المأساة مرّةً أخرى.
إنّ المأساة اللبنانية لم تبدأ يوم انهارت المصارف، بل يوم تراجع المواطن أمام الزبون، والحقيقة أمام الوهم، والتربية أمام الشهادة، والدولة أمام الطائفة. ولذلك فإنّ الخروج من الانهيار لن يكون ماليًّا أو سياسيًّا فقط، بل أخلاقيًّا وثقافيًّا وتربويًّا أيضًا.
إقرأ أيضاً: حبس الصحافيين: أبعد من رامي نعيم… ترويض الوحش؟