ملفت هو مشهد التفجيرات اليومية في “كفرتبنيت”، القرية الملاصقة لمدينة النبطية…الجميع يسأل: أين اختفى الحزب؟ هل أدرك أنّ كلفة المواجهة أثقل من كلفة الصمت؟ أم عجز تامّ على فرض قواعد اشتباك جديدة داخل بيئة استراتيجية تجاوزت معادلات ما بعد ٢٠٠٦؟
7 أكتوبر والتحول في العقيدة الإسرائيلية
لم يكن السابع من أكتوبر مجرّد مواجهة في غزّة، بل لحظة مفصلية أعادت تعريف مفهوم الأمن الإسرائيلي. فقد انتقلت إسرائيل من سياسة احتواء التهديدات المحيطة وردعها إلى محاولة تفكيك مصادر القوّة التي يمكن أن تتحوّل مستقبلاً إلى خطر استراتيجي.
هذا التحوّل انعكس مباشرة على طريقة التعامل مع حزب الله. فلم تعد المعادلة تقوم فقط على الرد المتبادل، بل على ضرب القدرات قبل أن تستخدم، حتّى لو أدّى ذلك إلى رفع مستوى التصعيد.
وقد ظهر ذلك في مستوى الاختراق الاستخباراتي الذي طال منظومة الحزب، من استهداف أجهزة الاتصال إلى اغتيال قيادات بارزة. فقد كشفت هذه العمليات عن دمج متطور بين المعلومات الرقمية، والمسيّرات، والأقمار الصناعية، والتحليل الاستخباراتي، ما قلّص الفارق بين الرصد والضربة إلى دقائق.
وهذا التطوّر أصاب إحدى أهم ميزات الحزب التاريخية: القدرة على التخفي، والحركة السرية، والاستفادة من بيئة جغرافية معقدة تمنحه هامشاً للمناورة.
تحوّل دمشق وضياع العمق الآمن
لكنّ التحدّي الأكبر لا يرتبط فقط بالقدرات الإسرائيلية، بل بتغيّر البيئة الإقليمية التي قامت عليها قوّة الحزب.
لسنوات طويلة شكّلت سوريا الممر الحيوي الذي يربط إيران بالساحة اللبنانية، ووفرت عمقاً لوجستياً يسمح بانتقال السلاح وتأمين خطوط الإمداد. إلا أنّ التحوّلات السياسية والأمنية في سوريا فرضت واقعاً مختلفاً، مع قيود أكبر على الحدود والمعابر.
ومع تراجع قدرة خطوط النقل والتهريب على العمل كما في السابق، تحوّلت الحدود الشرقية من مساحة حماية إلى نقطة ضغط. ويزداد هذا التحدي مع الضغوط المالية والأمنية التي تطال شبكة الدعم الإقليمية، ما يجعل إعادة بناء القدرات أكثر صعوبة من مرحلة ما بعد 2006.
نزيف الخبرة وأزمة القرار
لا تكمن الخسائر فقط في المعدات أو المواقع، بل في خسارة جزء من “ذاكرة الحرب”. فالعناصر لا يمكن تعويضها، والقيادات التي راكمت خبرة طويلة في إدارة المعارك وبناء الشبكات وفهم البيئة العملياتية يصعب استبدالها بسرعة.
وهنا تظهر حسابات إيران المعقّدة. فالحزب ليس مجرّد حليف، بل ورقة ردع استراتيجية مرتبطة بحسابات الأمن الإقليمي الإيراني. لذلك قد يكون الحفاظ على ما تبقّى من قدراته أكثر أهمية من استنزافه في مواجهة واسعة غير مضمونة النتائج.
ولا يعني ذلك التخلّي عن الحلفاء، بل إعادة ترتيب استخدامهم وفق حسابات الكلفة والمصلحة. فإيران، التي بنت خلال عقود شبكة نفوذ متعدّدة الساحات، باتت تتعامل مع هذه الساحات بطريقة مختلفة عن السابق.
في غزّة، أظهرت طهران استعداداً لدعم حلفائها سياسياً وعسكرياً، لكنّها تجنبت الانخراط المباشر في مواجهة شاملة قد تهدّد مركز النظام. وفي العراق، حافظت على نفوذها عبر الفصائل المسلحة، مع مراعاة متزايدة للتوازنات مع الولايات المتحدة والضغوط الداخلية العراقية.
أمّا في اليمن، فقد شكّل الحوثيون نموذجاً مختلفاً لاستخدام الحلفاء، إذ تحوّلت الجبهة اليمنية إلى ورقة ضغط بعيدة نسبياً عن الجغرافيا الإيرانية المباشرة، قادرة على إرباك الخصوم ورفع كلفة المواجهة الإقليمية.
لكن لبنان يبقى مختلفاً. فحزب الله يمثل بالنسبة إلى طهران أثقل أوراقها وأكثرها ارتباطاً بالتوازنات مع إسرائيل. لذلك فإنّ استنزافه في حرب مفتوحة قد يعني خسارة أداة ردع أساسية، وليس مجرّد خسارة جبهة عسكرية.
المعادلة النفسية والبيئة الاجتماعية
التحوّل الأهم ربما لا يكمن فقط في السلاح والجغرافيا، بل في المعادلة النفسية والاجتماعية المحيطة بالقرار.
فالحزب الذي اعتاد خوض المواجهات من موقع يمتلك فيه الوقت والعمق، يواجه اليوم بيئة مختلفة: تفوقاً استخباراتياً إسرائيلياً، سرعة استهداف عالية، وكلفة مرتفعة لأي خطأ في الحساب.
ولا يمكن فصل القرار العسكري عن واقع البيئة الاجتماعية الحاضنة، فالأزمات الاقتصادية، وكلفة النزوح والدمار، وصعوبة إعادة الإعمار، تجعل أي مواجهة جديدة أكثر تعقيداً من السابق.
لقد تغيّرت أيضاً صورة الحرب داخل المجتمع اللبناني. فبعد سنوات من الانهيار الاقتصادي، لم تعد القدرة على تحمل حرب طويلة أمراً مضموناً كما كان في مراحل سابقة.
الخوف من حرب لا تشبه 2006
تدرك قيادة الحزب أنّ أي حرب مقبلة لن تكون نسخة عن عام 2006. فالمواجهة الجديدة قد تقوم على استهداف أوسع للبنية التحتية، وضغط أكبر على البيئة اللبنانية، ومحاولات توغّل أكثر عمقاً، في وقت تستخدم فيه إسرائيل قدرات استخباراتية وتكنولوجية أكثر تطوراً.
لذلك فإنّ تجنّب الحرب لا يعكس بالضرورة غياب القدرة، بل إدراكاً بأنّ طبيعة المواجهة تغيرت، وأنّ هامش الخطأ أصبح أضيق بكثير من السابق.
هل يعني الانكفاء الهزيمة؟
لا يعني التراجع العملياتي بالضرورة نهاية التنظيمات العقائدية. فالتاريخ يظهر أنّ العديد من الحركات المسلحة تعيد التموضع عندما تتغيّر الظروف.
لكنّ التحدّي أمام حزب الله اليوم أنّ البيئة التي سمحت له بإعادة بناء قوته بعد حرب 2006 لم تعد موجودة بالشكل نفسه. فالممرّات تغيّرت، والضغوط تصاعدت، والتوازنات الإقليمية دخلت مرحلة جديدة.
وهنا لا يصبح السؤال فقط عن بقاء الحزب كتنظيم مسلح، بل عن بقاء النموذج الذي جمع بين القوّة العسكرية المستقلّة، والدور السياسي الداخلي، والارتباط الإقليمي.
السؤال اللبناني: السلاح والدولة
في الداخل اللبناني، أعادت هذه التحولات طرح السؤال المؤجل منذ سنوات: هل يمكن استمرار نموذج القوّة العسكرية المستقلّة عن الدولة في ظل تغير البيئة الإقليمية وتصاعد الضغط باتجاه حصرية القرار الأمني بيد المؤسسات الرسمية؟
فالمسألة لم تعد فقط قدرة حزب الله على إطلاق الصواريخ أو خوض مواجهة جديدة، بل قدرة هذا النموذج نفسه على الاستمرار في بيئة تغيرت شروطها.
فالسؤال الأعمق اليوم ليس: هل ما زال حزب الله يمتلك القدرة على الرد؟
بل: هل ما زالت البيئة التي جعلت هذا الرد يغير الحسابات موجودة؟
اقرأ أيضاً: بينما تُرسم خرائط الطّاقة… لبنان على خرائط الأوهام