في جنوب لبنان، لا تقتصر آثار الحرب على الدمار العمراني والخسائر البشرية فقط، بل يتألّم “تراب الجنوب” الذي غنّت له فيروز أجمل ما قيل فيه. تلك الطبقة الحيوية التي تُعدّ أساس الزراعة والأمن الغذائي، تتعرض اليوم لتحديات معقّدة قد لا تُرى بالعين المجردة، لكنّها تنعكس تدريجيًا على الإنتاج الزراعي وجودة المحاصيل.
في حديث لموقع “الدّولة”، تؤكّد المهندسة الزراعية والأستاذة الجامعية أميرة حدارة أنّ “الهجمات الإسرائيلية تسبّبت في تدهور بيئي خطير يشمل مختلف مكوّنات البيئة، ولا سيما التربة”.
فاستخدام المتفجرات والصواريخ أدّى إلى تلوّث التربة بالمواد الكيميائية والمعادن الثقيلة، إضافة إلى الحديث عن استخدام مواد مثل الغليفوسات (Glyphosate). كما يُسهم هذا النوع من الاعتداءات في تدمير البنية الطبيعية للتربة، ما يؤدّي إلى إضعاف الكائنات الدقيقة الضرورية مثل الفطريات والديدان والحشرات الصغيرة، التي تلعب دورًا أساسيًا في تحليل المواد العضوية وإنتاج الدبال (Humus)، وهي مادة تحسّن خصوبة التربة وتزيد قدرتها على الاحتفاظ بالمياه وتُغذّي النباتات.
هل تصبح الأراضي غير صالحة للزراعة؟
توضح حدارة أنّ “بعض الأراضي قد تفقد صلاحيتها الزراعية أو تتراجع بشكل كبير، نتيجة انخفاض خصوبة التربة وغياب الدبال، ما يُضعف قدرتها على دعم نمو النباتات”. وتُضيف إنّ “التربة أصلًا تُعاني من تراجع في قدرتها على التجدّد بسبب التلوث البيئي، فكيف إذا أضيفت إليها آثار الحرب والاعتداءات”.
الزيتون في خطر
تذهب حدارة للحديث عن أسوأ مخاوف الجنوبيين، الذين يعتبرون الزيتون أحد أهمّ رؤوس أموالهم، وأهمّ المكوّنات على “السفرة” الجنوبية. فأشجار الزيتون والحمضيات والخضروات الموسمية والتبغ تأتي في صدارة المحاصيل المتضرّرة، نتيجة الغارات والقصف واحتراق مساحات زراعية واسعة في العديد من المناطق.
وتؤثر الملوّثات العسكرية على صحة الإنسان والحيوان على حدّ سواء. إذ تغلغلت في التربة معادنُ ثقيلة ومواد سامة ستبقى آثارها لسنوات طويلة، لأنّها لا تتحلّل بسرعة، وتمتصها النباتات، ما ينعكس على جودة المحاصيل، ويؤثر أيضًا على التربة والأنهار والمياه الجوفية.
أهمية فحص التربة بعد الحرب
تُشدد حدارة على ضرورة إجراء فحوصات للتربة بعد الحرب، لتحديد مستوى التلوث وصلاحية الأرض للزراعة، ووضع خطط علمية لإعادة تأهيلها وضمان سلامة الغذاء.
كما تدعو إلى أن تدعم الحكومة المزارعين عبر تعويضات مالية، وأن توفّر لهم مستلزمات الإنتاج الزراعي، وأن تطلق برامج توعية لإعادة التأهيل الزراعي. وتنصح بالإبلاغ عن أيّ ذخائر أو أجسام غريبة، وعدم زراعة الأراضي قبل فحصها بشكل علميّ ودقيق. إضافة إلى ضرورة استخدام الأسمدة العضوية وزيادة الغطاء النباتي عبر زراعة نباتات وأشجار قادرة على امتصاص الملوثات.
بين التحدّي والأمل
رغم حجم الأضرار، تبقى التربة في جنوب لبنان قابلة للتعافي في كثير من الحالات، شرط توفر الوقت والدعم العلمي والاقتصادي. وبين آثار الحرب ومحاولات النهوض، تبقى الزراعة شاهدًا على قدرة الأرض على الصمود… إذا ما أُعطيت فرصة للحياة من جديد.
اقرأ أيضاً: بلديّة بيروت: مجلس “مسخ” في مواجهة أزمات متراكمة