هل يمكن أن تنخرط سوريا بقيادة الرئيس أحمد الشرع في مواجهة مباشرة مع حزب الله على الأراضي اللبنانية؟ الإجابة، بحسب قراءة وقائع المشهد، تبدو سلبية بامتياز. فما هي الأسباب التي تجعل دمشق آخر من يفكر في خوض هذه المغامرة؟
رغم أنّ الفكرة قد تبدو مغرية ظاهرياً لبعض دوائر القرار في واشنطن، إلا أنّ أوّل الأسباب التي تجعلها غير واقعية يكمن في طبيعة الحسابات السورية نفسها.
فطرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب فكرة إسناد دور لدمشق في التعامل مع سلاح حزب الله داخل لبنان، يستند إلى أنّ النظام السوري الجديد نجح خلال العامين الماضيين في تقليص النفوذ الإيراني داخل سوريا. فيما يواجه حزب الله وطهران ضغوطاً سياسية وعسكرية متزايدة. ومن هذا المنطلق، قد يبدو إشراك دمشق في الضغط على الحزب خياراً أقل كلفة من الحروب المفتوحة التي لم تنجح حتى الآن في إنتاج تسوية نهائية.
بين الفكرة والواقع: مسافة شاسعة
سوريا اليوم ليست دولة تبحث عن معركة خارجية، بل دولة تحاول الخروج من آثار أكثر من عقد من الحروب والانقسامات. ورغم الخطوات التي اتخذتها دمشق لإعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية ودمج الفصائل المختلفة ضمن هياكل الدولة، فإن عملية إعادة التوحيد لم تكتمل بعد، فيما لا تزال السلطات السورية تواجه تحديات أمنية واقتصادية معقدة، من بقايا خلايا تنظيم داعش إلى الملفات العشائرية والتوترات المحلية المنتشرة في أكثر من منطقة.
لماذا قد يغامر أحمد الشرع أصلاً؟
منذ تولّيه الرئاسة، حرص الشرع على تقديم نفسه بوصفه رئيس دولة لا قائداً لمحور إقليمي. وخلال معظم الأزمات التي واجهها، بدا ميّالاً إلى العمل المؤسساتي وإلى اتّخاذ قرارات محسوبة، بعيداً عن المغامرات السياسية أو العسكرية غير المضمونة النتائج. كما ركّز باستمرار على أولوية إعادة سوريا إلى موقع الدولة الطبيعية في الإقليم، وإبعادها عن الصراعات التي لا تحقق مصلحة مباشرة للسوريين.
من الصعب تصوّر أنّ رئيساً يعمل على تثبيت شرعيته الداخلية وترميم صورة بلاده دولياً سيقرّر فجأة نقل جيشه إلى ساحة لبنانية شديدة التعقيد، فيما لا تزال أمامه ملفات داخلية حساسة تتعلق بالمصالحة الوطنية، وترسيخ الاستقرار، ومنع أي توترات أو اصطفافات قد تهدد وحدة المجتمع السوري.
الفيتو الإقليمي: حسابات أنقرة
إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل العامل التركي. فأنقرة، التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع الإدارة السورية الجديدة، لا تبدو متحمسة لأي ترتيبات إقليمية قد تنتهي بمنح إسرائيل تفوقاً استراتيجياً غير مسبوق في المشرق. ومن هذا المنطلق، يصعب تصور وجود غطاء إقليمي واسع لمغامرة عسكرية من هذا النوع.
لبنان: عقبة لا تقل تعقيداً
أيّ دخول عسكري سوري سيصطدم سريعاً بذاكرة لبنانية لا تزال مثقلة بتجربة الوصاية السورية وما رافقها من انقسامات وصراعات. وحتّى القوى السياسية اللبنانية المناهضة لحزب الله لن تجد سهولة في تأييد مثل هذا الخيار. فهذه القوى بنت جزءاً كبيراً من خطابها السياسي على فكرة استعادة القرار اللبناني من الوصايات الخارجية، لا على استبدال وصاية بأخرى.
خدمة مجّانيّة لحزب الله
هنا تكمن المفارقة الكبرى: فالتدخل السوري، إذا حصل، قد يمنح حزب الله خدمة سياسية مجانية. فبدلاً من زيادة الضغوط عليه، قد يدفع شرائح لبنانية مختلفة إلى الالتفاف حوله من منطلق رفض أي وجود عسكري أجنبي جديد على الأراضي اللبنانية، ما يحوّل الهدف المعلن إلى نتيجة معاكسة تماماً.
أمّا الدولة اللبنانية نفسها فستجد نفسها في موقع بالغ الإحراج. فالتدخلات العسكرية بين الدول لا تتم عبر تصريحات سياسية أو أفكار تطرح في المؤتمرات، بل عبر طلب رسمي من حكومة ذات سيادة. وحتّى الآن، لا توجد أي مؤشرات إلى أن بيروت تفكر في طلب دور عسكري سوري لمعالجة ملف سلاح حزب الله، بل إنّ مجرد طرح هذا الاحتمال كفيل بإشعال سجال سياسي واسع داخل البلاد.
البديل الصامت لتهدئة ترامب
لكلّ هذه الأسباب، السيناريو الأكثر واقعية لا يتمثّل في تحريك الجيوش أو فتح جبهات جديدة، بل في إجراءات أقلّ صخباً وأكثر قابلية للتنفيذ، مثل تشديد الرقابة على الحدود، ومكافحة التهريب، وتجفيف مسارات الإمداد غير الشرعية. وفي هذا الإطار تستطيع دمشق أن تقدم ما تعتبره واشنطن مساهمة عملية، من دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
وحديث ترامب في هذا المعنى قد يكون أقرب إلى رسالة سياسية منه إلى خطة ميدانية قابلة للتنفيذ. فهو يضغط على حزب الله وإيران، ويوجه إشارات إلى إسرائيل، ويعيد تذكير الدولة اللبنانية بأنّ ملف السلاح لا يزال مطروحاً على الطاولة.
هل يملك الشرع سبباً مقنعاً؟
لكن بين ما يريده ترامب وما يمكن أن يقبل به أحمد الشرع فجوة كبيرة. فالرجل الذي أمضى العامين الماضيين في محاولة إعادة تقديم سوريا كدولة تبحث عن الاستقرار واستعادة موقعها الإقليمي، لا يبدو في وارد تحويلها إلى رأس حربة في صراع جديد. لذلك، فإنّ السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الشرع قادراً على الاصطدام بحزب الله في لبنان، بل ما إذا كان يملك سبباً مقنعاً يجعله يفعل ذلك.
حتّى الآن، لا تبدو الوقائع كافية لتبرير مثل هذه المغامرة.
إقرأ أيضاً: الدولة العميقة في لبنان: المافيا والميليشيا ورأس المال