ثمة سؤال يُلح عليّ كلما تأملت المشهد في البيئة الشيعية اللبنانية: هل هي ضحية تحتاج إلى إنقاذ، أم شريكة في بناء سجنها تُعيد طلاء قضبانه مع كل حدث؟ الجواب، بقسوة، هو الإثنان معاً.
لبنان لا يكون إلا مع الجميع أو لا يكون. وهذا بالضبط ما يحدث حين يخرج المواطن مُحتجاً على الحرب صباحاً، ثم يهتف للحزب الذي أشعلها مساءً. ليست سذاجة بريئة، هي تناقض مُنظّم، تناقض تولّت المنظومة نفسها صياغته بعناية على مدى عقود.
المشكلة ذات وجهين لا يمكن فصلهما:
- الأول في طبيعة من يصعد داخل منظومة حزب الله. فأي مشروع سياسي حقيقي يحتاج إلى ثلاثة عناصر لا تكتمل الشخصية القيادية إلا بإجتماعها: رغبة صادقة في التغيير، وطموح لصنع شيء باقٍ، ومعرفة تُغذي كليهما. والمؤسف أنّ الأغلبية الصاعدة في هذه المنظومة تفتقد واحداً أو إثنين أو الثلاثة. تجد من يحمل حماسة بلا معرفة، ومن يملك الطموح لكنه موصول بولاء شخصي لا بحب للوطن. قيادة من هذا النوع لا تبني دولة، هي تُدير زبائنية.
- الوجه الثاني أشد وطأةً لأنه يسكن في البيئة ذاتها. كتب ميخائيل نعيمة: “الإنسان لا يكون حرّاً حقّاً إلا حين يتحرّر من أوهامه.” وأكبر أوهام هذه البيئة أنّ الإنتماء المطلق للحزب يمثل حمايةً وكرامةً وقوةً. الحقيقة أن هذا الإنتماء لا يمنح صاحبه شيئاً حقيقياً دائماً؛ هو يمنحه سلة غذائية بدلاً من راتب، وخطاباً بدلاً من أمان وإستقرار، ووهم العزة بدلاً من وطن.
المصفّق… هو الخاسر
الأخطر أن المُصفّق يتوهم أنه يربح في مواجهة خصومه، بينما الخاسر الوحيد هو نفسه. قد تكسب نفوذاً موسمياً وتخسر قضاءً عادلاً. قد تكسب حماية ظرفية وتخسر دولة تحرس مستقبل أولادك. حين تضع ما حصّلته هذه البيئة خلال أربعين عاماً بجانب ما حصّلته شعوب تملك دولاً حقيقية، تكتشف أن ما في اليد ليس أكثر من فتات مُذهَّب.
قال جبران خليل جبران: “وطني لا يستحق دموعي، لكنني أبكيه.” هذه الجملة تختزل المأزق كله: إدراك المأساة دون القدرة على كسر دائرتها. والكسر لن يأتي من الخارج ولا من خطاب سياسي مُعارض، بل من داخل البيئة نفسها، من ذلك الشاب الذي يرى ويفهم ويختار الصمت خوفاً من الوصمة أو التخوين.
المعرفة والرغبة والطموح
المسؤولية الأثقل تقع على عاتق المثقف الواعي داخل هذه البيئة تحديداً. عليه أن يُكوّن في نفسه الثالوث الذي تفتقده قيادته: المعرفة والرغبة والطموح. وأن يُدرك أن صمته ليس حياداً بريئاً، بل هو فراغ يملؤه من لا يعرف للضمير عنواناً.
التغيير هنا ليس ثورة تُشعل في ليلة، بل هو ما وصفه سعيد عقل حين قال: “لبنان رسالة.” والرسالة لا تُكتب بالصمت. هي خبرة تراكمية، درس يُضاف إلى درس، وجيل يرفع من حيث أنهى الذي قبله. لكنّها لن تبدأ إلا بثورة فردية في أعماق كل إنسان: ثورة على القطيع، وعلى الولاء الأعمى، وعلى وهم أن الإنتماء الضيق يُغني عن الوطن الحقيقي.
أما من يظن أنه يحمي نفسه بحماية القفص، فليسأل نفسه صباح كل يوم: من يحرس من؟
إقرأ أيضاً: الدولة العميقة في لبنان: المافيا والميليشيا ورأس المال