لم يعد الإمام الحسين في هذه المقالة رمزًا للعدالة فحسب كما حاول كثيرون معالجة الحدث الكربلائي من هذه الزاوية، بل نموذجًا، وهذا هو الأهم، لمشكلة فلسفية كبرى: متى يتحوّل القرار الفردي إلى حدث تاريخي؟ ومتى يصبح الإنسان مسؤولًا عن شيء أكبر من حياته نفسها؟
معظم البشر يعيشون حياتهم داخل مجرى التاريخ، لكنّ بعضهم يتحوّل، في لحظات نادرة، إلى جزء من آليته نفسها. عندئذ لا يعود القرار شخصيًّا خالصًا، بل يصبح حدثًا تتجاوز نتائجه صاحبه لتطال جماعة كاملة أو أمةً بأسرها.
من هنا تنبع أهمية كربلاء.
فليست فرادة الإمام الحسين أنّه دافع عن العدالة أو رفض الظلم. إذ عرف التاريخ آلاف المصلحين والثائرين. بل في أنّه وجد نفسه في لحظة تاريخية أصبح فيها موقفه الفردي مؤثّرًا في مصير المعيار الأخلاقي الذي ستقاس به السلطة السياسية من بعده.
لهذا فإن فهم كربلاء لا يقتصر على فهم القيم الكونيّة التي دافع عنها الحسين، بل يقتضي فهم طبيعة الفعل الذي قام به واستثنائيته وتاريخيته.
بين القيم الحسينية والفعل الحسيني
كثيرًا ما يجري الخلط بين القيم الحسينية والفعل الحسيني. فالصدق والعدالة والحرية والكرامة الإنسانية قيمٌ عامة مطلوبة من الجميع. أما الفعل الحسيني فليس مطلوبًا من الجميع، لأن الظروف التي أوجدته ليست ظروفًا عامة.
فالإنسان العادي قد يعيش حياته كلَّها من دون أن يواجه موقفًا تتعلق به مصائر أمة أو جماعة كبيرة. أما الحسين فقد وجد نفسه في موقع مختلف تمامًا.
من هنا لا ينبغي النظر إلى كربلاء بوصفها دعوةً جماهيرية إلى الاستشهاد، بل بوصفها تأملًا في تلك اللحظات النادرة التي تتحوّل فيها المسؤولية الأخلاقية إلى مسؤولية تاريخية.
الحسين ومشكلة الشرعية
لم يكن الصراع بين الحسين ويزيد صراعًا بين رجلين، بل كان صراعًا على الشرعية. فالدولة الأموية كانت تمتلك القوّة والسلاح والمال، لكنّها كانت تحتاج أيضًا إلى الاعتراف الأخلاقي الذي يمثله الحسين.
لهذا لم تكن البيعة إجراءً سياسيًّا عاديًا، بل كانت إعلانًا بأن السلطة القائمة تستحق الطاعة.
فهم الإمام الحسين أنّ موافقته على مبايعة يزيد لن تبقى شأنًا شخصيًّا، بل ستتحوّل إلى شرعية عامة. من هنا بدأ المأزق. فالنجاة الشخصية كانت ممكنة. أما المحافظة على المعيار الأخلاقي فلم تكن ممكنة إلا عبر الرفض.
هكذا وجد الحسين نفسه أمام الاختيار التراجيدي الذي يميز كل فعل حسيني: أن ينجو الفرد وتضيع القضية، أو أن يحفظ القضية ويضحي بنفسه.
لماذا أذن الحسين لأصحابه بالرحيل؟
من أكثر مشاهد كربلاء دلالةً أنّ الحسين أذن لأصحابه بالرحيل ليلة عاشوراء وقال لهم: “هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً“… فلو كان يرى أنّ الجميع ملزمون بالموقف نفسه لما منحهم هذا الخيار أصلًا. لقد أدرك أنّ الحدث يطلبه هو بالدرجة الأولى.
فالسلطة لم تكن تحتاج إلى رؤوس أصحابه، بل إلى رأسه هو. ولم تكن تحتاج إلى بيعتهم، بل إلى بيعته.
لهذا لم يفرض عليهم مصيره. أما هم فقد اختار بعضهم البقاء ليشاركوا في الحدث التاريخي. وهنا تكمن عظمتهم. فيما غادر كثيرون.
فالإمام الحسين كان يحمل مسؤولية لا يستطيع التنصّل منها. أما هم فكانوا قادرين على النجاة. لكن بعضهم رفض أن يُترك صاحب القضية وحيدًا أمام التاريخ. إنّهم لم يصنعوا الحدث، بل اختاروا المشاركة فيه. وهذا ما يمنح موقفهم بعده الأخلاقي الفريد.
الاستثنائية التاريخية للفعل الحسيني
ليست استثنائية الفعل الحسيني نابعة دائمًا من استثنائية صاحبه.
قد يكون صاحب القرار قائدًا كبيرًا، كما قد يكون إنسانًا بسيطًا لا يعرفه أحد. فالعبرة ليست بمن يكون الشخص، بل بما يترتب على قراره.
قد يصبح مقاومٌ مجهول يعرف مكان اجتماع قيادة المقاومة أخطر تأثيرًا من أيّ قائد عسكري كبير. فإذا تعرّض للأسر وجبَ عليه أن يضحي بنفسه على الطريقة الحسينيّة حتّى يحفظ القيادة التي هي على وشك تحرير البلد.
وقد تصبح امرأة أسيرة تعرف أسرار المقاومة مسؤولة عن مصير قضية كاملة.
وقد يتحوّل موظف مصرفي أو خبير اقتصادي إلى نقطة فاصلة بين إنقاذ مجتمع كامل أو انهياره. يا للأسف! لم يفعل هذا مصرفيٌّ كبيرٌ في لبنان، فانهار القطاع المصرفي برمّته.
وعليه، فإنّ اللحظة الاستثنائية هي التي تصنع أحيانًا الإنسان الاستثنائي.
لهذا لا ينبغي اختزال الفعل الحسيني في البطولة الفردية، بل يجب فهمه بوصفه تحمّلًا لمسؤولية تاريخية ألقتها الظروف على عاتق شخص بعينه.
حين يفضّل الأفراد أنفسهم على مجتمعاتهم
لو تأملنا تاريخ العالم العربي الحديث لوجدنا أن كثيرًا من الكوارث لم تنتج فقط من قوّة الأعداء أو فساد الأنظمة، بل أيضًا من صمت كثيرين عرفوا الحقيقة أو خانوا.
كم من مسؤول أدرك حجم الكارثة المقبلة وسكت؟
وكم من خبير عرف حجم الانهيار وفضّل موقعه على مجتمعه؟
وكم من مثقف منح الشرعية لما كان يعلم أنه باطل؟
الاستعمار مثلًا لم يستمرّ بقوّة المحتل وحده، بل أيضًا بسبب الذين وفروا لها الشرعية المحلية.
لهذا خرج الاستعمار العسكري من بلدان كثيرة، بينما بقيت آثاره السياسية والثقافية والاقتصادية حاضرة. غادر الجنود والجيش المستعمِر، وبقي الوسطاء والعملاء.
من هايدغر إلى المقاوم المجهول
لا تكشف عظمة الفعل الحسيني عن نفسها في الأشخاص وحدهم، بل في البنية التي تجمع بينهم.
فعندما تعاون هايدغر مع النازية لم يكن مجرد أستاذ جامعي يخطئ، بل كان أحد أكبر فلاسفة عصره يمنح نظامًا استبداديًّا شرعية رمزية. ممّا لطّخ الفلسفة بعارٍ لم يُمحَ حتّى اليوم.
وعندما يرفض غاندي التعاون مع الاحتلال البريطاني، فإنّه لا يحمي نفسه بل يحمي قضية شعب كامل.
وعندما يختار مقاوم بسيط الموت بدل كشف أسرار المقاومة، فإنه يمارس المعضلة نفسها وإن اختلفت الظروف.
القاسم المشترك بين هذه الأمثلة ليس الشهادة، بل رفض تحويل الموقع الذي يشغله الفرد إلى أداة في خدمة الباطل.
كربلاء نظرية في “المسؤولية التاريخية”
ربما تكمن أصالة كربلاء في أنّها لا تقدم درسًا في الموت، بل درسًا في المسؤولية. فالموت حادثة بيولوجية تقع كل يوم. أما المسؤولية التاريخية فشيء نادر.
هي تلك اللحظة حين يصبح الإنسان مؤتمنًا على معنى أكبر من حياته. وحين يحدث ذلك.
هنا يبدأ الفعل الحسيني. لا فهو بالتالي ليس دعوةُ إلى الشهادة. بل هو لحظة يتحوّل مصير جماعة كاملة إلى أمانة في يد فرد واحد.
وهناك، في تلك اللحظة النادرة، يصبح الإنسان أكبر من ذاته، لأنّ التاريخ نفسه صار ينتظر قراره.
الإمام الحسين ليس إذاّ دعوةً إلى الموت الدائم أو الشهادة المستمرّة، بل هو دعوة إلى تحمّل المسؤولية التاريخية… وأحياناً قد تكون المسؤولية في “أن نتّخذ الليل جملاً”.
إقرأ أيضاً: “المناطق التجريبية”: تحدّد شكل الدولة اللبنانية.. لا مصير الجنوب