عاد مطار حامات العسكري إلى واجهة النقاش العام في لبنان بالتزامن مع صدور مراسيم استملاك عقارات محيطة بقاعدته الجوية كانت عالقة لسنوات. وتصاعد الحديث عن تطوير بنيته التحتية، تزامناً مع إطلاق مسار تشغيل مطار القليعات في الشمال… وأهالي يملكون عقارات في محيطه يعترضون… فما الذي يجري؟
بينما تتضارب التفسيرات بشأن أهداف الإجراءات الجديدة في محيط مطار القليعات العسكري، وحدودها، تتنوّع الفرضيات ويبرز سؤال أساسي:
- هل نحن أمام تحويل مطار حامات إلى مطار مدني في المستقبل القريب، كما جرى في القليعات؟ أم أنّ الأمر يندرج ضمن خطة عسكرية وأمنية لتطوير القاعدة وتعزيز قدراتها التشغيلية؟
الوقائع الموجودة على الأرض تفتح الباب أمام فرضيتين أساسيتين تتقاطعان في نقطة واحدة: مطار حامات يشهد اهتماماً استثنائياً لم يعرفه منذ سنوات.
أهمية الموقع الجغرافي
يقع مطار حامات المعروف بـ”قاعدة حامات الجوية” في قضاء البترون شمال لبنان:
- أُنشئ في ستينيات القرن الماضي كمرفق للطيران الخفيف تحت اسم “مطار بيار الجميّل”. قبل أن يشهد توسعة خلال الحرب الأهلية.
- بعد سيطرة القوات السورية عليه إثر دخولها لبنان، وتحديداً في العام 1978، بدأت تستخدمه لأغراض عسكرية..
- ثم انتقلت إدارته إلى الجيش اللبناني بعد انسحاب القوات السورية من لبنان في العام 2005.
- في عام 2010 تحوّل رسمياً إلى قاعدة جوية.
- عسكرية ليتعزّز دوره لاحقاً مع برامج التحديث والدعم العسكري ولا سيما بعد تسلّم الجيش اللبناني طائرات “سوبر توكانو” في العام 2018.
ويُعدّ اليوم أحد المواقع الاستراتيجية للجيش اللبناني على الساحل الشمالي ويُستخدم في مهام التدخل السريع وعمليات البحث والإنقاذ والتدريبات العسكرية.
اهتمام محلي ودولي
يزعم البعض أنّ مطار حامات هو عبارة عن معسكر أميركي مستقلّ. لكن في الواقع هو منشأة لبنانية تستضيف دورات تدريب محدودة العدد يشارك فيها ما بين 10 إلى 30 مدرّباً أجنبياً. من بينهم بالطبع مدرّبون أميركيون تحت شرعية تنسيق رسمي مع الدولة اللبناني والجيش اللبناني.
خلال التدريبات تنشط حركة الطيران المروحي فوق أجواء القرى والبلدات الشمالية، خصوصاً فوق قضاءي البترون والكورة. ويلاحظ الأهالي عمليات نقل لصناديق تحتوي على عتاد وذخائر عن طريق البرّ. وهي تندرج ضمن معدّات يستخدمها الجيش اللبناني خلال التدريبات. وعادة ما يتم إقفال بوابة تصل حامات ببلدة “وجه الحجر” كتدبير أمني يحافظ على السلامة العامة.
اليوم بات هذا الطريق مقطوعًا بشكل كامل مع تحويل السير إلى اتجاه تم استحداثه في طريق أخرى.
مرسوم استملاك عقارات… وجيش أميركي
الجديد هو صدور مرسوم استملاك عدد من العقارات تسغلها منذ العام 2010 القوات الجوية في الجيش اللبناني.
وتشير معلومات متقاطعة خاصّة بموقع “الدّولة” إلى أنّ المشروع يحظى باهتمام خارجي. خصوصاً من الجانب الأميركي الذي يواصل منذ سنوات دعم الجيش اللبناني.
وتذهب بعض التقديرات إلى أنّ الولايات المتحدة الأميركية تدفع باتجاه تسريع بعض المشاريع المرتبطة بالبنية العسكرية للجيش اللبناني في إطار رؤية أوسع لتعزيز قدراته العملانية وتمكينه من توسيع انتشاره على كامل الأراضي اللبنانية.
لكنّ هذه المعطيات لا تعني بالضرورة وجود مشروع أميركي مباشر داخل مطار حامات. إذ تؤكد مصادر أمنية وعسكرية لموقع “الدّولة” أنّ القاعدة تبقى منشأة لبنانية خاضعة بالكامل للجيش اللبناني. وأنّ الوجود الأجنبي فيها يقتصر على دورات تدريبية محدودة يشارك فيها عدد من المدربين العسكريين الأجانب ضمن اتفاقيات تعاون رسمية.
المطار المدني مستحيل؟
مع إعادة إحياء ملف المطارات في لبنان وبدء تنفيذ أعمال في مطار القليعات تمهيداً لاستخدامه المدني، بدأ اسم “مطار حامات” يُطرح مجدّداً كخيار محتمل لتخفيف الضغط عن مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت.
من الناحية النظرية، يملك الموقع بعض المقوّمات التي تسمح بدراسة هذا الخيار مستقبلاً. خصوصاً أنّ موقعه الساحلي يتيح مسارات إقلاع وهبوط فوق البحر الأبيض المتوسط. ما يخفّف من القيود المرتبطة بالكثافة السكانية مقارنة بمواقع أخرى.
غير أنّ تحويله إلى مطار مدني ليس مهمة سهلة. فبحسب خبراء هندسيين لموقع “الدّولة”، يبلغ طول المدرج الحالي نحو 1828 متراً. وهو صُمِّمَ أساساً لخدمة الاحتياجات العسكرية وبعض أنواع الطائرات الخفيفة والمتوسطة. في حين يتطلب تشغيل الطيران التجاري المنتظم مدرجاً أطول قد يصل إلى 3000 آلاف متر تقريباً ليستوعب الطائرات المستخدمة في الرحلات الإقليمية والدولية.
كما أنّ توسيع المدرج يستدعي أعمالاً هندسية صعبة جدّاً، والجدوى الاقتصادية منها قد تكون ضعيفة. وذلك بسبب طبيعة المنطقة الجغرافية المحاطة بمنحدرات وأودية. الأمر الذي قد يفرض عمليات ردم وتدعيم مرتفعة الكلفة.
كما يحتاج إلى منظومة ملاحة جوية متكاملة تشمل رادارات مراقبة حديثة وأنظمة هبوط دقيقة وتجهيزات أرصاد جوية متطورة إضافة إلى إنشاء محطة ركاب كاملة تضم صالات وصول ومغادرة ومرافق للجمارك والأمن العام والشحن والخدمات الأرضية وشبكات النقل المرتبطة بها.
أما التحدّي الأكثر تعقيداً فيتمثل في مسألة ازدواجية الاستخدام. فقاعدة حامات العسكرية عاملة. وأيّ تحويل جزئي أو كامل إلى مطار مدني يفرض إنشاء إطار تنظيمي وتشغيلي يضمن الفصل بين الحركة العسكرية والحركة التجارية… بالطبع وفق أعلى معايير السلامة الجوية.
لكن كل هذا لا يمنع أن يصبح هذا المطار جزءاً من شبكة مطارات لبنانية متعددة تضم بيروت والقليعات. لاسيما إذا توفرت الاستثمارات المطلوبة وارتفعت الحاجة إلى توزيع الحركة الجوية على أكثر من مطار.
فإنجاح مشروع تحويله إلى مطار مدني قادر على استيعاب ما يقارب ٣٥ طائرة يوميًا يستدعي استثمارات ومبالغ كبيرة بحسب تقديرات الخبراء الهندسيين. بالإضافة الى قرار رسمي لبناني واضح.
اعتراض أصحاب الأراضي المحيطة بالمطار
من جهة ثانية هناك قراءة مختلفة لما يجري حول المطار.
مصادر محلية مطلعة على ملف الاستملاكات تؤكد لموقع “الدّولة” أنّ الحديث عن ضم أراضٍ محيطة بحامات ليس جديداً. بل يعود إلى سنوات طويلة ماضية. وأنّ جزءاً كبيراً من النزاعات القائمة حول الاستملاكات يرتبط بحقوق أصحاب العقارات المحاذية للمطار والتعويضات المترتبة على القيود المفروضة على استخدام تلك الأراضي. وبحسب المادة الثانية من المرسوم الصادر (مرفق نسخة منه أدناه)، تم تحديد المدّة القصوى التي يجب أن تباشر خلالها معاملات الإستملاك اللازمة للمشروع بـ8 سنوات من تاريخ النشر في الجريدة الرسمية.
غير أنّ مسار الاستملاكات لم يمرّ من دون اعتراضات. فقد أبدى عدد من مالكي العقارات المشمولة بالمرسوم امتعاضهم من القرار معتبرين أنّ استملاك أراضيهم ينعكس مباشرة على حقوقهم ومصالحهم العقارية.
وقف دير القدّيسة بربارة يعترض
بحسب معلومات موقع “الدّولة”، تقدّم وقف دير القديسة بربارة (سيدة الخرايب) في حامات بطعن أمام الجهات المختصة. لأنّ المرسوم شمل عقارًا تابعًا لوقف الرعية.
كما أنّ المرسوم لم يشمل فقط عقارات يملكها أهالي حامات، بل وصل إلى أراضٍ تابعة لأهالي بلدة وجه الحجر المحاذية. ورغم أنّ الاعتراضات ليست كبيرة إلا أنّ معظمها يتركّز على آلية الاستملاك.
فبينما يرفض بعض المالكين شمول عقاراتهم بالمرسوم تقدّم آخرون بطعون لأنّ أملاكهم الواقعة بمحاذاة القاعدة الجوية والمتأثرة عقارياً بالمشروع لم تُدرج ضمن العقارات المشمولة بالاستملاك. وطالبوا بإعادة النظر في المرسوم أو في الآليات والمعايير المعتمدة في تحديد الأراضي.
لماذا يرفض الأهالي بيع أراضيهم؟
كما أثار بعضهم تساؤلات حول الحاجة الفعلية إلى ضمّ كامل المساحات المحدّدة في المرسوم وما إذا كانت الإجراءات الحالية مرتبطة بمتطلبات أمنية محدّدة أو بمشاريع توسعة مستقبلية لم يُعلن عنها رسمياً بعد.
فأصحاب هذه العقارات إذا خسروها لصالح حرم المطار، يخسرون إمكانية استثمارها وبناء استثمارات فيها بعد افتتاح المطار، مثل مطاعم أو فنادق أو ما شابه. وتتحوّل إلى أراضٍ يملكها المطار، لقاء ثمن لن يكون بالضرورة مرتفعاً بحسب القوانين اللبنانين.
وبحسب هذه القراءة فإن الاستملاكات لا تعني بالضرورة توسعة المطار أو إنشاء مدرجات جديدة بل قد تكون مرتبطة على الأرجح بإقامة نطاق أمني حول القاعدة الجوية. وهو إجراء متبع في معظم المطارات العسكرية حول العالم.
فالمطارات العسكرية لا تقتصر حدودها على السياج الخارجي للمدرجات والمنشآت بل تعتمد غالباً مناطق عازلة إضافية تفصل بين المنشآت العسكرية والممتلكات الخاصة بهدف تعزيز الأمن والسلامة ومنع أي احتكاك مباشر بين النشاط العسكري والمحيط المدني.
هذا ما يفسّر بعض الإجراءات التي اتّخذت خلال السنوات الماضية ومنها إقفال بعض الطرق المحاذية للمطار وتحويل حركة المرور إلى مسارات بديلة باعتبارها جزءاً من متطلبات السلامة والأمن المرتبطة بتشغيل القاعدة الجوية.
تكتسب هذه الفرضية أهمية إضافية في ضوء المواقف الأميركية الأخيرة الداعية إلى تعزيز قدرات الجيش اللبناني وتوسيع انتشاره على كامل الأراضي اللبنانية. فواشنطن تعلن بشكل متكرر أنّ هدفها دعم المؤسسة العسكرية لتكون الجهة الشرعية الوحيدة القادرة على فرض سلطة الدولة وتنفيذ القرارات المتعلقة بحصرية السلاح بيد المؤسسات الرسمية.
من هذا المنطلق يرى متابعون أنّ أيّ تطوير محتمل في مطار حامات قد يرتبط بزيادة قدرات التدريب والإيواء والانتشار العسكري عبر استحداث منشآت إضافية أو حظائر للطائرات أو مراكز تدريب أو ثكنات جديدة بما يواكب توسع مهام الجيش اللبناني في المرحلة المقبلة.
حتّى الآن لا توجد خطة رسمية معلنة لتحويل مطار حامات إلى مطار مدني كما لا توجد معطيات حاسمة تؤكد وجود مشروع توسعة كبير قيد التنفيذ. لكن المؤكد أنّ الموقع عاد إلى دائرة الاهتمام الاستراتيجي، سواء من زاوية تطوير البنية العسكرية أو من زاوية التفكير المستقبلي بشبكة المطارات اللبنانية.
وبين الفرضيتين تبقى الحقيقة الوحيدة الثابتة أنّ الاستملاكات الجارية والإجراءات المحيطة بالمطار أعادت فتح ملف ظل لسنوات طويلة خارج النقاش العام. أما ما إذا كان مطار حامات يتّجه ليصبح مطاراً مدنياً في المستقبل أو قاعدة عسكرية أكثر تطوّراً واتساعاً، فذلك يبقى رهناً بقرارات الدولة اللبنانية وخططها الاستراتيجية… وبما يهمس به الخارج.