“المناطق التجريبية” في جنوب لبنان… مصطلح جديد يختبر قدرة الدولة اللبنانية على استعادة سيادتها، بين وعود أميركية بالنجاح ومخاوف من فخّ استراتيجي جديد يعيد تجربة “الإدارة” تحت الاحتلال…
هنا قراءة في 6 نماذج لـ”المناطق التجريبية” خلال إنهاء النزاعات في 6 مناطق حول العالم، بين 12 دولة…
وفي الحلقة الثانية غداً قراءة أوسع في تجربة جنوب لبنان.
“المناطق التجريبية (Pilot Zones)”، مصطلح جديد دخل حديثاً إلى قاموس الجنوب اللبناني بعد التفاهم اللبناني ـ الإسرائيلي الأخير برعاية الولايات المتحدة ضمن “اتفاق الإطار”. وهي مناطق جغرافية تمّ الاتفاق على أن يسلّمها الجيش الإسرائيلي إلى الجيش اللبناني تدريجياً، وفق انسحاب إسرائيلي مشروط بأن يفكّك الجيش اللبناني مقرّات الحزب. وهو اختبار لقدرة الدولة على فرض سيطرتها ونزع سلاح حزب الله.
الفكرة ليست جديدة، فقد اعتمدت دول عدة بعد النزاعات صيغاً مشابهة، بين مناطق أمنية انتقالية ومناطق منزوعة السلاح أو خاضعة لإشراف دولي. بعض هذه التجارب تحوّل إلى مدخل للاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة، فيما بقي بعضها الآخر عالقاً بين الحرب والسلم.
فأيّ مصير ينتظر جنوب لبنان؟ وهل تكون المناطق التجريبية خطوة نحو استعادة السيادة، أم صيغة جديدة لإدارة الصراع؟
على ماذا ينصّ “اتفاق الإطار”؟
ينصّ التفاهم اللبناني ـ الإسرائيلي على أن تتولّى القوات المسلحة اللبنانية تدريجياً المسؤولية الأمنية الكاملة في مناطق تجريبية، تشكّل آلية لإعادة الانتشار المرحلي للقوات الإسرائيلية بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني. وقد تم الاتفاق على منطقتين أوليتين، ثم توسّعت لتشمل فرون والغندورية وصريفا وقلاويه وبرج قلاويه وزوطر الشرقية وةطر الغربية. على أن يتم لاحقاً تحديد مناطق إضافية. وبعد التأكد من نجاح نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها التحتية، تنتقل المسؤولية الأمنية بالكامل إلى الجيش اللبناني.
لكن تجارب سابقة من حول العالم تظهر أنّ نجاح هذه الصيغ لا يرتبط فقط بالانتشار العسكري، بل بقدرة الدولة على فرض سلطتها، ووجود ضمانات واضحة تمنع تحول المناطق الانتقالية إلى فراغ أمني، أو إلى عودة الفصائل المسلّحة غير الشرعية.
سيناء: نموذج السلام المراقَب
تُعدّ شبه جزيرة سيناء بين مصر وإسرائيل من أبرز النماذج التي يُمكن الرجوع إليها عند الحديث عن الترتيبات الأمنية الانتقالية بين دولة احتلال ودولة مُحتلَّة. رغم أنّها لم تكن “منطقة تجريبية” بالمعنى الحالي، بل جزءاً من اتفاق سلام شامل.
فبعد اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 ومعاهدة السلام عام 1979، انسحبت إسرائيل من سيناء بالكامل وعلى مراحل، مقابل استعادة مصر سيادتها على كامل أراضيها. بعدها جاءت الترتيبات الأمنية التي قسمت المنطقة إلى أربع مناطق ” A, B, C, D”. وتتفاوت فيها القيود العسكرية، مع إنشاء “القوة متعدذّدة الجنسيات والمراقبين” عام 1982 لمراقبة الالتزام بالاتفاق.
نجح النموذج في الحفاظ على السلام بين الدولتين لعقود، لأن القاعدة الأساسية كانت واضحة: استعادة الأرض أولاً، ثم تنظيم الأمن فوق أرض ذات سيادة.
في عام 2011 واجهت سيناء تهديدات أمنية جديدة دفعت إلى تعديل بعض القيود العسكرية، كما بقيت التنمية غير متوازنة بين المناطق السياحية المزدهرة ومناطق أخرى عانت من ضعف الخدمات وفرص العمل. أما السكان، فكانوا أمام معادلة مختلفة: لم يعيشوا فراغاً سيادياً طويلاً، لكنّهم واجهوا فجوة تنموية وأمنية استمرت حتّى بعد عودة السيادة المصرية.
5 نماذج أخرى بين النجاح والفشل
- كولومبيا: تحولت منطقة “إل كاجوان” بين عامي 1999 و2002 إلى ملاذ آمن لحركة “فارك” بعد انسحاب الدولة منها خلال مفاوضات السلام، لتنتهي التجربة بانهيار المفاوضات واستعادة الجيش السيطرة.
- البوسنة والهرسك: شكّلت مدينة “برتشكو” نموذجاً أكثر نجاحاً، إذ ساهم الإشراف الدولي في بناء مؤسسات مشتركة وتحقيق استقرار نسبي قبل انتقال الإدارة تدريجياً إلى السلطات المحلية.
- السودان: بقيت منطقة “أبيي” بين السودان وجنوب السودان، عالقة منذ عام 2005 في وضع مؤقت بانتظار استفتاء لم يُنفذ، فتحولت إلى منطقة فراغ سيادي رغم الوجود الدولي
- كوريا:تجربة “كايسونغ” بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبي أظهرت أنّ التعاون الاقتصادي قد يبني الثقة. لكنّه يبقى هشاً أمام عودة التوترات السياسية.
- أندونيسيا: حقّقت تجربة “آتشيه” في إندونيسيا استقراراً نسبياً عبر ربط الأمن بالتنمية، رغم استمرار تحديات الحوكمة.
تكشف هذه التجارب أن “المناطق التجريبية” ليست وصفة جاهزة للنجاح أو الفشل. فهي تنجح عندما تكون جزءاً من مسار واضح نحو السيادة، مع مؤسسات قوية وضمانات سياسية وأمنية، لكنّها تتحول إلى أزمة جديدة عندما تصبح بديلاً عن الحل السياسي أو وسيلة لتجميد النزاع.
إقرأ أيضاً: “الدّولة” تكشف تفاصيل حصرية عن “حُكم” إسرائيل المنطقة الصفراء
في الحلقة الثانية غداً:
“المناطق التجريبية”: طريق السيادة.. أو إدارة للاحتلال؟