يؤكّد لبنان مجدّداً، من خلال الدبلوماسية الثقافية وجهود سفيرته الدائمة لدى اليونسكو هند درويش، قدرته على حشد التأييد الدولي وفرض حضوره داخل أروقة المنظمة، فإدراج قلاع جبل عامل الخمس على لائحة التراث العالمي لا يُعدّ تفصيلاً بسيطاً في مرحلة مثقلة بالمصاعب والتحدّيات.
اعتمدت لجنة التراث العالمي، بالإجماع وخلال دورتها الثامنة والأربعين المنعقدة في بوسان، إدراج قلاع جبل عامل الخمس: شقيف، تبنين، شقرا، دير كيفا، وشمعة، على لائحة التراث العالمي ولائحة التراث العالمي المعرّض للخطر، بناءً على طلبٍ تقدّمت به الدولة اللبنانية.
يُشكّل هذا القرار اعترافاً بالقيمة العالمية الاستثنائية لهذه القلاع، كما يعزّز التزام المجتمع الدولي بحمايتها وصونها في ظل التحديات التي تواجهها.

لمحة عن القلاع الخمس
قلعة الشقيف: تقع قرب بلدة أرنون في قضاء النبطية، على صخرة مرتفعة تشرف على نهر الليطاني وسهل مرجعيون. أُقيم تحصين على موقعها قبل الحقبة الصليبية، وبناها الصليبيون في القرن الثاني عشر باسم “بوفور”، وتعاقب على السيطرة عليها صلاح الدين الأيوبي والصليبيون مجدداً قبل أن يستولي عليها المماليك بقيادة الظاهر بيبرس عام 1268.
قلعة تبنين: تقع في بلدة تبنين بقضاء بنت جبيل. بناها الصليبيون عام 1105-1106 في نقطة استراتيجية تشرف على الجليل الأعلى ومدينة صور، وسقطت بيد السلطان المملوكي بيبرس عام 1266. معظم المنشآت الظاهرة اليوم تعود إلى ترميمات لاحقة، أواسط القرن الثامن عشر.
قلعة شقرا: تقع قرب بلدة شقرا بقضاء بنت جبيل، مقامة على أنقاض بناء روماني، وتعرف بقلعة “دوبيه”. تضم نحو 30 غرفة موزعة على طابقين، فيما دُمّر جزء من طابقها الثالث في اعتداءات إسرائيلية عام 1972.
قلعة دير كيفا: تقع شمال غرب بلدة دير كيفا بقضاء صور، وتُعد من أقدم قلاع لبنان وأكبرها مساحة في الجنوب، إذ تقوم على بقايا حصن فينيقي جدّده الصليبيون عام 1124 وسمّوه باسم قائدهم “ميرون”. هدمها السلطان المملوكي قلاوون عام 1289، ثم أعاد بناءها الشيخ عباس النصار عام 1761.
قلعة شمعة: تقع في بلدة شمعة بقضاء صور، بناها الصليبيون عام 1116 فوق موقع بيزنطي سابق، لتشرف على مدينة صور وساحل حيفا، وكانت إحدى الحصون التي حمت الممالك الصليبية الساحلية.

نجاحٌ للدبلوماسية الثقافية
لا يقتصر هذا الإنجاز على إدراج موقعٍ أثري جديد، بل يجسّد نجاحاً للدبلوماسية الثقافية اللبنانية، ويؤكّد قدرة لبنان، رغم الظروف الصعبة، على حشد التأييد الدولي لحماية تراثه، وصون هويته الثقافية، وتعزيز حضوره ومصداقيته داخل اليونسكو. وقد جاء هذا الإنجاز ثمرة عملٍ جماعي قادته وزارة الثقافة، والمديرية العامة للآثار، والبعثة الدائمة للبنان لدى اليونسكو، بالتنسيق الوثيق مع مركز التراث العالمي، وبدعم الدول الأعضاء في لجنة التراث العالمي.
مسؤولية متجدّدة
يشكّل هذا الاعتراف الدولي محطةً مفصلية، لكنّه يمثّل قبل كل شيء بداية مسؤولية متجدّدة. فالعمل الحقيقي يبدأ اليوم: بحماية هذا التراث الاستثنائي، وتأمين مقومات صونه، وتوفير الظروف الكفيلة بنقله إلى الأجيال المقبلة، وهي مسؤولية يلتزم لبنان بالاضطلاع بها بدعمٍ من المجتمع الدولي، حفاظاً على هذا الإرث الإنساني المشترك.
إقرأ أيضاً: إلى السيدة الثرثارة على باب زوطر المحرّرة