في عالمٍ لم يعد يقيس قوّة الدول بمواردها وحدها بل بقدرتها على بناء شراكات متوازنة، تبرز العلاقة الاقتصادية اللبنانية-السورية كبوابة محتملة لإعادة ربط المشرق العربي بشبكات التجارة العالمية، شرط أن تبقى السيادة الوطنية إطارها الحاكم، وسط بيئة أمنية سورية لا تزال بعيدة عن الاستقرار الكامل.
المشرق العربي: موقع استراتيجي لم يُستثمر بعد
يشهد الاقتصاد العالمي اليوم تحوّلاً عميقاً، إذ لم تعد قوّة الدول تُقاس بحجم مواردها الداخلية فحسب، بل بقدرتها على الانخراط في شبكات التجارة والإنتاج، وتحويل موقعها الجغرافي إلى عنصر قوّة تنموي. فالاقتصاد الحديث يقوم على فضاءات مترابطة تتكامل فيها الموانئ مع طرق النقل، والطاقة مع الإنتاج، والصناعة مع الأسواق.
وتثبت التجارب الدولية أنّ التكامل الاقتصادي لا يتناقض مع السيادة الوطنية، بل يمكن أن يعزّزها متى قام على قواعد واضحة من الاحترام المتبادل وتكافؤ الفرص وحرّية القرار.
من هنا تبرز أهمّية المشرق العربي، الذي يمتلك موقعاً استثنائياً يجعله نقطة وصل طبيعية بين آسيا وأوروبا، لكنّ هذه المكانة لم تتحوّل خلال العقود الماضية إلى منظومة اقتصادية متكاملة، بفعل الأزمات السياسية وضعف التنسيق وغياب الرؤية الجامعة.
سوريا الجديدة: فرصة اقتصادية في بيئة أمنية هشة
يأتي طرح هذه الرؤية في ظل مرحلة انتقالية سورية لا تزال بعيدة عن الاستقرار الكامل. فبعد نحو عام ونصف على سقوط نظام الأسد وتسلّم الرئيس أحمد الشرع الحكم، يبقى الحال الأمني هشّاً في بعض مفاصله، مع تربّص مجموعات فلول وإرهاب داعشي، واشتباكات متقطّعة مع قوات سوريا الديمقراطية، فيما كشفت أحداث الساحل والسويداء عن اختلالات عميقة في الأداء الأمني للمؤسّستين العسكرية والشرطية. وتشير قراءات متخصصة إلى أن جملة الملفات الأمنية الحساسة تشمل أيضاً بقايا شبكات النظام السابق ومحاولات إعادة تنظيمها، ومسار استيعاب قوات سوريا الديمقراطية ودمجها ضمن المؤسسات الرسمية، والوضع المعقّد في محافظة السويداء الذي يتداخل فيه البعد الأمني مع اعتبارات اجتماعية وسياسية محلية، إضافة إلى ملف الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة السورية. وبحسب تقرير متخصص برصد الشأن السوري، فإن الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 تؤشر إلى أن سوريا لم تخرج من أزمتها الأمنية بل انتقلت إلى طور أكثر تعقيداً، مع عنف موزّع ومتحرّك يتداخل مع الاقتصاد المنهار وصراع السلطات، إذ سُجّل حتى مطلع أيار مقتل ما يزيد على 1400 شخص بين مدنيين وغير مدنيين.
في المقابل، حقّقت إدارة الشرع اختراقات دبلوماسية لافتة، إذ أثمرت جهودها حصد تأييد دولي واسع أدّى إلى طي صفحة العقوبات الأميركية والأوروبية، وفي مقدّمها إلغاء قانون قيصر، كما انضمّت سوريا إلى التحالف الدولي ضدّ داعش في إطار تعاون عسكري يشمل التنسيق والتدريب مع القوات الأميركية. أما على الجبهة الإسرائيلية، فتُظهر قراءات متخصصة أن تل أبيب انتقلت من عقيدة استهداف النفوذ الإيراني المباشر إلى مقاربة أمنية استباقية تسعى لتقويض جهود دمشق في بناء مؤسساتها واستعادة سيادتها.
هذه البيئة الهشة لم تمنع البلدين من إعادة بناء العلاقة الثنائية. فقد أعلن لبنان وسوريا، خلال زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت مطلع تموز 2026، التوجّه نحو إعادة بناء العلاقات الثنائية على أسس جديدة تقوم على حسن الجوار والمصالح المشتركة، في محاولة لتجاوز إرث المرحلة السابقة في حقبة الأسد. كما زار وفد اقتصادي لبناني برئاسة وزير الاقتصاد عامر البساط دمشق منتصف الشهر ذاته، حيث تم توقيع اتفاقية لتشكيل اللجنة العليا اللبنانية السورية في بيروت، تهدف إلى التشاور والتنسيق بين البلدين على أساس احترام السيادة والمساواة وتسوية الخلافات بالوسائل السلمية.
الشراكة اللبنانية-السورية: بوابة لا بديل
في هذا السياق، تُطرح العلاقة الاقتصادية اللبنانية-السورية كإحدى البوابات الطبيعية لإعادة بناء فضاء مشرقي أكثر ترابطاً، استناداً إلى تشابك جغرافي واقتصادي واجتماعي قديم بين البلدين.
لكنّ أهمّية هذه الشراكة لا تكمن في كونها مشروعاً مغلقاً أو بديلاً عن علاقات لبنان العربية والدولية، بل في كونها جزءاً من رؤية أوسع تُعزّز موقع البلدين في محيطهما الإقليمي، وتفتح المجال أمام شراكات متعدّدة مع العالم. فالمطلوب ليس اقتصاداً يعتمد على مسار واحد، بل منظومة متكاملة يكون فيها التعاون اللبناني-السوري أحد المسارات لإعادة ربط المشرق بشبكات التجارة العالمية.
وينطلق أيّ تصوّر مستقبلي من قاعدة أساسية: لبنان وسوريا دولتان مستقلّتان، لكلّ منهما سيادتها وقرارها الوطني، وأيّ تعاون بينهما يجب أن يقوم على المصالح المشتركة لا على التبعية أو فرض النماذج. فالتكامل الحقيقي لا يُلغي خصوصية الدول، بل يمنح كلّ طرف قدرة أكبر على تحقيق أهدافه، خصوصاً أنّ نجاح طرف في هذه المعادلة لا يكون على حساب الآخر، بل فرصة لنمو الاثنين معاً.
الأرقام: حجم تبادل متواضع وفرصة لم تُستثمر
رغم الحديث عن “شراكة استراتيجية”، لا يزال حجم التبادل التجاري الرسمي بين البلدين متواضعاً نسبياً. فبحسب تقديرات اتحاد الغرف السورية، تجاوز حجم التبادل التجاري الرسمي بين البلدين نحو 230 مليون دولار خلال عام 2024، توزّع بين واردات لبنانية من سوريا بقيمة تقارب 133 مليون دولار، وصادرات لبنانية إلى السوق السورية تتجاوز 100 مليون دولار — أرقام يعتبرها عاملون في القطاع الخاص أقل من الحجم الفعلي بسبب استمرار التهريب عبر منافذ غير شرعية. أما في ذروته التاريخية، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين ما يقل قليلاً عن 800 مليون دولار، بحسب تصريح وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط.
ويشترك البلدان بحدود يبلغ طولها 375 كيلومتراً من الشمال والشرق، إذ يعتمد لبنان على الطرق البرية السورية لنقل صادراته بالشاحنات إلى الأردن ودول الخليج. ويعمل الجانبان حالياً على مراجعة إطار قانوني قديم، إذ يرتبط لبنان وسوريا باتفاق تعاون وتنسيق اقتصادي واجتماعي وُقّع في أيلول 1993 وصُدّق عليه في شباط 1994. كما تم مؤخراً التوصل إلى اتفاق ثلاثي لتبادل الغاز بعد استكمال الدراسات الفنية الخاصة بإصلاح شبكات النقل الإقليمية.
رؤية مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية
انطلقت الرؤية الاقتصادية التي أعدّها مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية من قناعة أنّ مستقبل لبنان لا يمكن أن يقوم على إعادة إنتاج النموذج الرّيعي الذي اعتمد لفترات طويلة، بل على اقتصاد إنتاجي متنوّع يستثمر الموقع الجغرافي للبنان وقدراته البشرية ودوره التاريخي في التجارة والخدمات.
وتقوم هذه الرؤية على تحويل لبنان إلى مركز اقتصادي متكامل في شرق المتوسط، عبر تطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية والقطاعات الإنتاجية. لكنّ تحقيقها يستدعي بيئة إقليمية أكثر تعاوناً، وهنا تبرز أهمّية سوريا، ليس كإطار وحيد للتحرّك الاقتصادي اللبناني، بل كأحد الممرّات الطبيعية التي تربط لبنان بعمقه العربي والآسيوي.
فلبنان يمتلك موقعه البحري وخبراته التجارية وكفاءاته البشرية المنتشرة عالمياً، بينما تمتلك سوريا موقعاً يربط الساحل بالداخل الإقليمي — وعند دمج هذين العنصرين ضمن رؤية تكاملية، تتحوّلان إلى منظومة اقتصادية أقوى من قدرة كلّ دولة منفردة.
النقل واللوجستيات: أساس الممرّ الاقتصادي
يشكّل قطاع النقل أحد أهمّ ركائز أيّ تكامل اقتصادي، إذ لا يتحوّل الموقع الجغرافي إلى قيمة حقيقية إلّا بوجود بنية قادرة على تسهيل حركة البضائع. ويمتلك لبنان موقعاً بحرياً على شرق المتوسط، بينما تمتلك سوريا موقعاً برياً محورياً يربط الساحل بالداخل العربي وأسواق آسيا.
من هنا، فإنّ تطوير الربط بين المرافئ اللبنانية وشبكات النقل البرّي عبر الأراضي السورية، بما في ذلك الربط السككي، لا ينبغي النظر إليه كمشروع ثنائي محدود، بل كجزء من رؤية أوسع لإعادة بناء دور المشرق كممرّ اقتصادي بين القارّات.
الميناء الجاف في البقاع: من الموقع إلى القيمة
يكتسب مشروع الميناء الجاف في البقاع أهمّية خاصّة ضمن هذه الرؤية، باعتباره مركزاً محتملاً للخدمات اللوجستية يضمّ مرافق تخزين وخدمات جمركية حديثة ومنشآت توضيب وتغليف، وحلولاً مرتبطة بإعادة التصدير.
فمشروع من هذا النوع يحوّل الموقع الجغرافي من ميزة طبيعية إلى قدرة اقتصادية فعلية، عبر ربط المرافئ بالأسواق وتحسين سلاسل الإمداد، ويمكن أن يشكّل منصّة تعاون تخدم الاقتصادين اللبناني والسوري معاً، ضمن إطار يحافظ على مصالح الطرفين.
المناطق الصناعية والزراعة: من المنافسة إلى تكامل الأدوار
لا يمكن لأيّ رؤية اقتصادية أن تنجح دون قاعدة إنتاجية قوّية. فتطوير مناطق صناعية مشتركة لا يعني نقل النشاط الاقتصادي من دولة إلى أخرى، بل توزيع الأدوار وفق المزايا النسبية لكلّ بلد، في قطاعات كالصناعات الغذائية والدوائية ومواد البناء والتكنولوجيا.
وينطبق المنطق نفسه على الزراعة، حيث يمكن أن يركّز التعاون على تطوير التخزين والتصنيع الغذائي والتسويق، وتطوير مشاريع مشتركة في الزراعة الحديثة والنباتات الطبية. فالهدف ليس أن يتنافس المزارع اللبناني مع نظيره السوري، بل بناء منظومة واحدة تعزّز الأمن الغذائي في المنطقة.
الطاقة والاقتصاد الرقمي: ركائز المستقبل
لا ينجح أيّ مشروع تنموي دون بيئة مستقرّة للطاقة، بما يشمل مشاريع الربط الكهربائي والاستثمار في الطاقة المتجدّدة والتعاون التقني في إدارة الشبكات. وبالتوازي، تفرض التحوّلات العالمية نحو اقتصاد المعرفة ضرورة التعاون في مجالات التكنولوجيا وحاضنات الأعمال والتعليم التقني، بما يرفع كفاءة القطاعات التقليدية ويخلق فرصاً للشباب.
الشراكات الدولية: الانفتاح دون التبعية
يحتاج بناء فضاء اقتصادي مشرقي متكامل إلى شراكات دولية توفّر الخبرات والاستثمارات الطويلة الأمد، لكنّ هذا الانفتاح يجب ألّا يعني البحث عن بديل خارجي للقرار الوطني. فالدول التي نجحت في التنمية لم تعتمد على شريك واحد، بل بنت استراتيجيات وطنية واضحة، ثمّ نوّعت شراكاتها بما يخدم استقلال قرارها.
وفي هذا الإطار، تبرز الصين كشريك يمتلك خبرات واسعة في البنية التحتية والموانئ والطاقة، ويمكن لمبادرة الحزام والطريق أن تشكّل إطاراً مفيداً للتعاون إذا تمّ التعامل معها من منظور تنموي بحت يخدم مصالح لبنان وسوريا، لا من منظور الاصطفافات السياسية. فأيّ شراكة، مع الصين أو غيرها، يجب أن تبقى قراراً وطنياً يحافظ على السيادة، لا علاقة تبعية لطرف واحد.
خلاصة: فضاء مشرقي جديد
إنّ الرؤية التي يطرحها مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية لا تقوم على مشروع ثنائي مغلق، بل على منظومة اقتصادية متكاملة تكون فيها الشراكة اللبنانية-السورية إحدى بوّاباتها الطبيعية. فلبنان لا يحتاج فقط إلى استعادة أدواره السابقة، بل إلى بناء دور جديد يجعله مركزاً للخدمات واللوجستيات في شرق المتوسط، بينما تسهم سوريا بموقعها الجغرافي في إعادة ربط المنطقة بمحيطها العربي والآسيوي.
لكنّ نجاح هذه الرؤية يبقى مرهوناً بقدرة دمشق على ضبط ملفها الأمني الداخلي، وبقدرة بيروت على تحويل الاتفاقيات والزيارات المتكرّرة إلى نتائج اقتصادية ملموسة تتجاوز الأرقام المتواضعة الحالية. فعندما تلتقي هذه المقوّمات ضمن رؤية تحترم السيادة الوطنية واستقلال القرار والمصالح المشتركة، يصبح التعاون الاقتصادي أداة للاستقرار والتنمية، لا سبباً للخلاف — ويستعيد المشرق العربي موقعه الطبيعي كممرّ اقتصادي وتجاري بين آسيا وأوروبا، وجسر تواصل بين الحضارات والأسواق.
إقرأ أيضاً: بينما تُرسم خرائط الطّاقة… لبنان على خرائط الأوهام