أسّس البطريرك الياس الحويك لبنان الكبير وحمل إرثًا سياسيًا مثيرًا للجدل..فبينما يُجمِع الموارنة على مكانة الحويك الروحية، ينقسمون حول خياراته الوطنية التي رسمت حدود لبنان الكبير ووضعت بذور إشكاليةٍ ديموغرافية وسياسية لا تزال آثارها حاضرة إلى اليوم..
الشقّ الروحي والشقّ السياسي
يتّفق الموارنة، على اختلاف مواقفهم، على أنّ الحويك كان رجل دين ورِعًا، تقيًّا، متواضعًا، خدومًا، محبًّا للفقراء، منفتحًا على سائر الطوائف، ساعد كلّ محتاج بصرف النظر عن دينه. صفاتٌ روحية وإنسانية لا جدال حولها، وتستحقّ بذاتها القداسة.
أمّا الشقّ الثاني فهو سياسي، أو بالأحرى يتعلّق ببعض مواقفه السياسية والوطنية خلال مسيرته الحبرية، وفيه تكمن الإشكالية. وبسبب هذا الجانب من مسيرته، يعرف كثيرون من الموارنة أنهم لن يصلّوا له ولن يطلبوا شفاعته. كلامٌ قاسٍ، لكنّه توصيفٌ واقعي لحال شريحة واسعة من الموارنة اليوم.
جذور الخيار: صدمة المجاعة
إذا أردنا أن نحكم على الأحداث وفق الظروف التاريخية التي وقعت فيها، أمكننا أن نتفهّم خيار البطريرك السياسي بدعم فكرة إنشاء كيان لبنان الكبير والعمل على تحقيقها. فالصدمة التي خلّفتها المجاعة الإبادية التي فرضها العثمانيون على مسيحيّي جبل لبنان خلال الحرب العالمية الأولى، كانت آثارها ونتائجها، بل مصائبها وكوارثها، لا تزال طازجة، سواء في الذاكرة أو في الأجساد، مجاعة تسبّبت بموت ثلث الموارنة جوعًا، وهجّرت ثلثًا آخر تشتّت في مختلف أرجاء العالم.
ولفهم عمق تأثير هذه المجاعة على نفسية الموارنة في ذلك الزمن، لا بدّ من مقارنتها بالإبادة الأرمنية. صحيحٌ أنّ أعداد الأرمن الذين أبادتهم آلة القتل العثمانية أكبر من عدد الموارنة، لكن إذا أجرينا مقارنة نسبية – ديموغرافية بين الطائفتين، يتبيّن أنّ ضحايا الإبادة التركية من الموارنة كانوا نسبيًا أكثر من الضحايا الأرمن. لذلك يمكننا القول إنّ المجاعة التي فرضها الأتراك على الموارنة ترقى إلى مرتبة الإبادة الجماعية، لكنّها لم تأخذ حقّها تاريخيًا لأسباب مجهولة، لا سيّما من قبل الموارنة أنفسهم.
النظرية الزراعية وتجاهل الواقع الجيوسياسي
لا يمكن فهم لبنان الكبير خارج هذا السياق التاريخي؛ فالهاجس الذي ذكره البطريرك كان كيفية تجنّب أيّ مجاعة مستقبلية. فخلص هو وعدد من مستشاريه إلى أنّ الحلّ يكمن في ضمّ مناطق زراعية من الجنوب والبقاع والشمال إلى جغرافية جبل لبنان الصخرية الفقيرة زراعيًا. وهكذا نُقل الموارنة، من حيث لا يدرون، “من الدلفة إلى تحت المزراب”، خيارٌ أدّى مع الوقت إلى ذوبان المسيحيين ديموغرافيًا وتهميشهم سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا داخل الكيان الكبير، وهذا برأي كثيرين من الموارنة هو جوهر الإشكالية في موضوع التطويب.
والإشكالية في فكرة لبنان الكبير مع الحويك أنّه لا يمكن بناء كيان على ذريعة أو نظرة زراعية، مع تجاهل الواقع الجيوبوليتيكي المحيط بالكيان الوليد الهشّ، وتجاهل الواقع الداخلي أيضًا، سواء الديموغرافي أو الطائفي. فالكيان قام على شعور السنّة بالانسلاخ عن عمقهم العربي السنّي، وعلى رفض الشيعة لهذا الكيان واختيارهم الانضمام إلى مملكة فيصل، وهو كيانٌ كانت بداياته تنمّ عن تطلّع سنّي للعمق العربي، وعن مجازر ارتكبها شيعة بحقّ مسيحيّي الجنوب. مع أنّه تبيّن في النهاية أنّ الشيعة كانوا الأكثر استفادة من هذا الكيان، إذ لو انضمّوا إلى سوريا لكانوا أقلّية مقموعة كسائر الطوائف السورية. لكن للأسف، بدلًا من أن يستثمروا في هذا الكيان، استبدلوا فيصل بالخامنئي، وسوريا بإيران.
فالنظرية الزراعية لا تختلف كثيرًا في عمقها عن نظرية عبقرية لأحد القادة عن زراعة البقدونس على الشرفة.
شرطان غائبان
مشكلة الحويك كانت قِصَر النظر، فمن شدّة تركيزه على البُعد الزراعي، نسي أو تناسى، بسبب صدمة المجاعة التي كانت لا تزال طازجة، شرطين لنجاح تجربة كيان لبنان الكبير الوليد، لهما علاقة بالمجال الديموغرافي والسوسيولوجي والثقافي للتركيبة اللبنانية:
الشرط الأول: أن يكون المسيحيون ديموغرافيًا هم الأكثر عددًا.
الشرط الثاني: أن تكون لهم الأرجحية السياسية، الأرجحية لا الهيمنة، لأنّ الموارنة، خلافًا لبروباغندا اليسار والإسلام السياسي والقوميين العروبيين، لم يهيمنوا على سائر الطوائف كما فعل العلويون في سوريا أو كما فعلت الشيعية السياسية في لبنان خلال الثلاثين سنة الأخيرة، لكنّ هذا موضوعٌ آخر يطول شرحه.
تمنٍّ من مارونيّ تائه عن الكنيسة
إذا كان لا بدّ لكم من أن تجعلوا الحويك شفيعًا لقضية ما، فأرجوكم احترموا عقولنا، ولا تجعلوه شفيعًا لأصحاب البصيرة والفطنة وبُعد النظر. اجعلوه، بدلًا من ذلك، شفيعكم للقضايا الخاسرة.
إقرأ أيضاً: أسرار زلزال قلعة الشقيف.. وفضيحة سقوط أسطورة التحصين