معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

فتوى “الهزّة”: خطاب ديني يفسيّر الانفجار… وينسى الكارثة

المساعدة البصرية: حجم الخط

حين هزّت أصداء الانفجار الهائل في علي الطاهر مدينةالنبطية والقرى المحيطة بها، كان سؤالٌ آخر يشق طريقَه إلى الفضاء العام، لا عن الأنفاق التي انهارت، ولا عن السلاح الذي دُمّر، ولا عن المقاتلين الذين كانوا داخل الموقع أو خرجوا منه، ولا عن العائلات التي ارتعبت من صوت الانفجار، بل عن صلاة الآيات..

 

 

كتب الشيخ علي معروف حجازي على حسابه على فايسبوك: “إذا حصلت هزّة بسبب انفجار ضخم لا تجب صلاة الآيات”.

من الناحية الفقهية البحتة، قد تكون الإجابة صحيحة ضمن المرجعية الفقهية التي ينقل عنها. بل إنّ مصادر فقهية شيعية تميّز بالفعل بين الزلزلة الطبيعية والهزّة الناتجة عن أسباب أخرى.

لكن المشكلة هنا ليست في صحة الحكم الفقهي، بل في المشهد الذي ظهر فيه هذا الحكم، وما الذي يقوله عن ترتيب الأولويات.

ففي علي الطاهر لم تكن هناك مجرد “هزّة” بالمعنى الذي يسمح بتحويلها إلى مسألة فقهية صغيرة. كانت هناك بنية عسكرية تحت الأرض امتدت لأكثر من كيلومترين، وتقول إسرائيل إنها كانت تضم مراكز قيادة ومخازن أسلحة ومرافق قتالية. وفي ١٠ أيلول أعلنت إسرائيل تدميرها باستخدام أكثر من ١١٠٠ طن من المتفجرات، فيما سجّل مركز المسح الجيولوجي الأميركي هزّة بقوة ٤.١ درجات.

هنا يصبح السؤال الصحفي والأخلاقي أكبر بكثير من: هل تجب صلاة الآيات أم لا؟

أسئلة لا يجيب عنها الفقه

كيف سقط الموقع؟

كيف بقيت هذه البنية مكشوفة إلى هذا الحد؟

من اتخذ قرار بنائها وإبقائها؟

ماذا حدث للمقاتلين الذين كانوا فيها؟

ما حجم الخسائر؟

ماذا عرف المسؤولون ومتى عرفوا؟

ومن سيدفع ثمن القرار؟

هذه ليست أسئلة سياسية ترفية، إنها الأسئلة التي يولدها الركام نفسه.

والأغرب أنّ الإنسان العادي الذي عاش تلك اللحظة لم يكن يحتاج إلى درس في تعريف الهزّة. كان يحتاج إلى تفسير لما حدث له.

كان يحتاج إلى من يقول له: ماذا جرى؟ ماذا ينتظرنا؟ كيف نحمي أولادنا؟ من يعوّضنا؟ لماذا ما زلنا ندفع أثمان حرب لا نملك قرارها؟

فالجنوب ليس خريطة عسكرية. هناك بيوت، وأمهات، وأطفال، ومحال، ومدارس، وناس يريدون العودة إلى حياة عادية. وتقول رويترز إن أكثر من ٣٤٠ ألف شخص ما زالوا نازحين في الجنوب، فيما تحوّلت عشرات المدارس إلى ملاجئ، بينما تعطّلت دراسة أكثر من مئة ألف طفل بسبب الحرب.

لهذا تحديداً تبدو المفارقة قاسية، فالناس يعيشون الكارثة، وبعض الخطاب الديني يشرح لهم فقط كيف يصنفون الهزّة.

القصّة الحقيقية

ليست المشكلة أن رجل دين يتحدث في الفقه. من حقه، بل من واجبه، أن يشرح الأحكام لمن يسأله عنها. لكن ماذا يحدث عندما يصبح الخطاب الديني شديد الدقة في التفاصيل الطقسية، وشديد الصمت أمام الأسئلة الأخلاقية والسياسية التي تحاصر المجتمع نفسه؟

علينا أن ننتقل من فقه التفاصيل إلى فقه المسؤولية، فالدين الذي يشرح للمؤمن ماذا يفعل عندما تهتز الأرض، يفترض أيضاً أن يمتلك الشجاعة ليسأل: لماذا وصل الناس أصلاً إلى هذه الحال؟

والدين الذي يعلّم الإنسان الصبر، يفترض ألا يحوّل الصبر إلى إعفاء للسلطة من المساءلة.

والدين الذي يكرّم الشهادة، لا ينبغي أن يستخدم الشهادة لإغلاق السؤال عن القرار الذي أرسل صاحبها إلى الموت.

المشكلة تصبح أخطر عندما يتحوّل الخطاب الديني، في لحظات الهزيمة أو الانكشاف، إلى جهاز لغوي لإعادة تسمية الأشياء.

الهزيمة تصبح “صموداً”، الخسارة تصبح “تضحية”، الانسداد السياسي يصبح “ثباتاً”، والسؤال يصبح “تشكيكاً” والاعتراض يصبح “خدمة للعدو”.

وفي النهاية يصبح المطلوب من الناس أن يتحملوا النتيجة، فيما لا يُطلب من أصحاب القرار تفسير القرار.

وهذه هي أخطر وظيفة يمكن أن يؤديها رجل الدين: أن يتحول من ضمير للسلطة إلى محامٍ عنها.

المشكلة أكبر من علي الطاهر

في التجربة الإقليمية الأوسع، من دمشق إلى طهران وبغداد وبيروت، تكررت أنماط خطابية تجعل الولاء السياسي معياراً أخلاقياً، وتتعامل مع الاعتراض كأنه خلل في الإيمان أو في الانتماء. لكن لا حاجة إلى استعراض ملفات المنطقة كلها هنا. يكفي أن نرى كيف يمكن للفكرة نفسها أن تعمل: عندما تكون السلطة التي ينتمي إليها الخطاب الديني قوية، يصبح السؤال عنها خطراً، وعندما تتراجع أو تفشل، يصبح المطلوب من الجمهور تفسير الفشل باعتباره امتحاناً للصبر لا سبباً لمساءلة المسؤول وهذا تحديداً ما يجعل المشهد في البيئة الشيعية اللبنانية مؤلماً..

فهذه البيئة دفعت ثمناً هائلاً خلال العقود الماضية: قتلى، جرحى، تهجير، دمار، فقر، تعطّل أعمال، انهيار اجتماعي، وخوف متكرّر من حرب جديدة. واليوم تعيش واحدة من أقسى النكبات التي عرفتها في تاريخها الحديث.

في هذه اللحظة، ما الذي ينبغي أن يكون في مقدمة الخطاب الديني؟

أن يُقال للأم التي فقدت ابنها: اصبري فقط؟

أن يُقال للعائلة التي تهدمت حياتها: هذه ضريبة المقاومة؟

أن يُقال للفقير الذي خسر منزله وعمله: احتسب؟

أم أن يُقال أيضاً: من قرر؟ لماذا؟ هل كان القرار صائباً؟ ماذا عرفنا؟ ماذا أخطأنا؟ وكيف نمنع تكرار الكارثة؟

هذه الأسئلة ليست ضد الدين، ولا ضد الطائفة، ولا حتى بالضرورة ضد المقاومة، إنها أسئلة المسؤولية.

والمفارقة أنّ بعض التسجيلات الصوتية التي جرى تداولها من مناطق القتال عكست، كما يحدث في كل حرب، خوفاً وارتباكاً واستغاثة بشرية لا تشبه لغة البيانات السياسية. وهذه نقطة يجب التعامل معها بحذر لأن صحة كل تسجيل ومصدره لا يمكن افتراضها تلقائياً. لكن الفارق الرمزي يبقى صارخاً بين صوت إنسان خائف في الميدان وبين خطاب يستطيع، في خضم الكارثة، أن ينشغل بتصنيف الهزّة فقهياً.

حين يصبح السؤال ممنوعاً

ليس المطلوب من رجل الدين أن يتحول إلى قائد عسكري. وليس مطلوباً منه أن يعرف أسرار الأنفاق أو خطط الجبهات. لكن المطلوب منه، إذا كان يريد أن يكون مرجعاً أخلاقياً، ألا يسمح للسلطة التي تحيط به بأن تختبئ خلف اللغة الدينية.

وهنا يجب أيضاً ألا نقع في التعميم السهل. ليس كل رجال الدين الشيعة سواء، كما أن داخل البيئة الشيعية أصواتاً دينية وفكرية وسياسية انتقدت قرارات حزب الله وسألت عن كلفة الحرب وعن علاقة السلاح بالدولة.

لكن وجود الاستثناءات لا يلغي المشكلة، بل يؤكدها: إذا كان السؤال ممكناً، فلماذا يُعامل أحياناً كجريمة؟

علي الطاهر: أكبر من نفق تحت الأرض

كشف علي الطاهر الفجوة بين ما يقوله الخطاب عن القوة، وما تستطيع القوة أن تفعله فعلاً.

وكشف أيضاً الفجوة بين مجتمع يدفع الثمن ورجال يفسرون له لماذا يجب أن يدفعه.

قد يستطيع الخطاب أن يعيد تعريف الخسارة، وأن يطلب من الناس أن يسموا الركام “صموداً”. لكنه لا يستطيع أن يقنع أمّاً فقدت ابنها بأنّ السؤال عن سبب موته غير مشروع.

وقد يستطيع أن يشرح بدقة لماذا لا تجب صلاة الآيات بعد هزّة أحدثها انفجار ضخم.

لكن السؤال الذي سيبقى أكبر من كل الفتاوى هو:

إذا كان الدين يريد أن يكون ضميراً، فهل يستطيع أن يكون ضميراً للسلطة أيضاً؟

لأنّ الكارثة الحقيقية ليست أن تهتز الأرض بل أن تهتز الأرض تحت أقدام الناس، ولا يهتز في خطاب من يفترض أن يكون صوتهم شيء سوى ترتيب الجمل.

 

إقرأ أيضاً: الحناجر لا تعيد المنازل ولا المقابر