معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

ما بعد الدمار: هل يكفي إعادة بناء ما تهدّم؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

تتكرّر المشاهد نفسها بعد كل جولة حرب: ركام يُرفع، ووعود بالإعمار تُطلق، وصفقات فساد وتعويضات تسرق، وكأنّ لبنان محكوم بأن يُبنى ليهدم من جديد. فهل يكفي أن نعيد ما تهدّم؟

 

حلقة مفرغة لا تنتهي

بعد كل حرب أو عدوان على لبنان، نعود فنسمع الكلام نفسه: إعادة إعمار، تعويضات، ترميم منازل، وإصلاح طرقات وجسور. وهذا أمر طبيعي وضروري، لأنّ الناس تريد أن تعود إلى بيوتها وتعيش بكرامة. لكن السؤال الحقيقي هو: إذا أعدنا بناء كل ما تهدّم، فهل نكون قد حللنا المشكلة؟
المشكلة أنّ لبنان بات يعيش في حلقة مفرغة: حرب، فدمار، فإعمار، ثم حرب جديدة ودمار جديد. والنتيجة أنّ المواطن هو من يدفع الثمن في كل مرة، يخسر بيته، وعمله، ومدخراته، وأحياناً أفراداً من عائلته، ثم يبدأ من الصفر وكأنّ شيئاً لم يكن.

سؤال الجنوب والبقاع: أين الحصيلة؟

ومن حق أبناء الجنوب، ومن حق أبناء البقاع، ومن حق الشيعة تحديداً، أن يسألوا بعد كل هذه السنين: ما الذي تحقّق؟ وما هو المقابل لكل هذه الخسائر؟ من حقهم أن يسألوا عن القرى التي تهدّمت، وعن الأراضي التي احترقت، وعن البيوت التي تحوّلت إلى ركام، وعن الشباب الذين هاجروا أو يفكرون بالهجرة. ومن حقهم أيضاً أن يسألوا: هل كان هناك طريق آخر كان يمكن أن يحمي الناس ويحفظ أرزاقهم ومستقبل أبنائهم؟

إعمار الحجر لا يكفي

لم يعد يكفي اليوم أن نتحدث عن إعادة إعمار الحجر، بل لا بد أن نتحدث أيضاً عن إعادة إعمار الدولة، لأنه إذا بقيت الأسباب نفسها، والنهج نفسه، والسياسات نفسها، فسيبقى كل إعمار مهدَّداً في أي لحظة. فلا أحد يبني مستقبل أبنائه على أرض لا يعرف إن كانت ستتحوّل إلى ساحة حرب جديدة بعد عام أو عامين.
الخسارة الأكبر لم تكن في المباني وحدها، بل في الشباب الذين هاجروا، وفي العائلات التي تركت قراها، وفي المؤسسات التي أقفلت أبوابها، وفي الفرص التي ضاعت على أجيال كاملة. وكلما طال أمد عدم الاستقرار، ازدادت الهجرة وتعاظم اليأس لدى الناس.

من يدفع الكلفة؟ أم كيف نمنعها؟

لذلك، فإنّ النقاش الحقيقي اليوم لا ينبغي أن يقتصر على من سيدفع كلفة الإعمار، بل يجب أن يمتد إلى كيفية منع كلفة دمار جديد في المستقبل، لأنّ الإعمار الحقيقي ليس إسمنتاً وحديداً فحسب، بل هو بناء دولة قوية، قادرة على حماية شعبها، والحفاظ على الاستقرار، ومنع تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.

القرار الوطني أولاً

لبنان بحاجة إلى مرحلة جديدة يكون فيها القرار الوطني فوق أي اعتبار آخر، وتكون فيها مصلحة الناس ومستقبل أبنائهم هي الأولوية، فلا شعب يقوى على تحمّل دمار دائم، ولا اقتصاد ينهض إذا كانت الحروب تتكرّر كل فترة وتهدم كل ما تم بناؤه.
في النهاية، إعادة بناء ما تهدّم أمر ضروري، لكنّ الأهم هو منع تكرار الدمار، فالأوطان لا تُقاس بعدد الأبنية التي يُعاد بناؤها، بل بقدرتها على حماية نفسها وتأمين مستقبل آمن ومستقر لأبنائها.