معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

الاقتصاد المنتج: القنبلة الموقوتة تحت عرش الزبائنية

المساعدة البصرية: حجم الخط

لبنان لا يفتقر إلى الموارد بل إلى الإرادة السياسية لتحويلها إلى إنتاج. فكل مصنع جديد يقتطع مساحة من سلطة الزعيم الذي يبيع الخدمة بدل أن ينافس بالكفاءة.

 

المفارقة اللبنانية: أرض غنية واقتصاد هش

لدينا أرض، ومياه، ومناخ متنوع، وسهول زراعية، وخبرات زراعية متراكمة منذ أجيال. وتؤكد مؤسسة «إيدال» أن إعتدال المناخ وخصوبة التربة وتوافر المياه تمنح لبنان مقومات قوية للزراعة، فيما تشير إلى أن الأراضي الزراعية تشكل نسبة كبيرة من مساحة البلاد.

إنّ المشكلة اللبنانية ليست فقط أن الدولة أنفقت أكثر مما تستطيع، ولا أن المصارف أخطأت، ولا أن السياسيين فسدوا. المشكلة أعمق من ذلك: النموذج الاقتصادي نفسه بُني بطريقة جعلت لبنان يستهلك أكثر مما ينتج، ويستورد أكثر مما يصنّع، ويعيش على الخدمات والتحويلات والسياحة والعقار والمضاربات، بينما تُركت الزراعة والصناعة في آخر الصف.

حين يصبح الإنتاج تهديداً للزبائنية

وهنا تحديداً يصبح الإقتصاد المنتج خطراً على المنظومة السياسية اللبنانية، لأن المنظومة لا تعيش فقط على الطائفية، بل على الحاجة. الناخب المحتاج هو أفضل وقود انتخابي للزبائنية: وظيفة هنا، مساعدة هناك، منحة مدرسية، واسطة في إدارة، أو خدمة قبل الانتخابات، ثم يأتي يوم الإقتراع ليُطلب الثمن.

أما المواطن الذي يعمل في إقتصاد حقيقي، ويملك دخلاً مستقراً، أو يعمل في مصنع، أو يزرع أرضه ويبيع إنتاجه، أو يؤسس مؤسسة ويصدر منتجاته، فهو مواطن أصعب في الإبتزاز وأسهل في الإستقلال. وحين يصبح الإنتاج واسعاً، تتقلص مساحة الزعيم الذي يقدم نفسه كصاحب مفتاح الرزق.

لهذا لم تكن الزبائنية مجرد عادة سياسية، بل كانت جزءاً من بنية إقتصادية أبقت الناس في موقع المستفيد الصغير من منظومة كبيرة. المنظومة تحتاج إلى مواطن يبحث عن خدمة، لا إلى مواطن يطالب بحق. تحتاج إلى ناخب ينتظر إتصالاً، لا إلى عامل يعرف أن راتبه يأتي من مؤسسة وليس من زعيم. تحتاج إلى إقتصاد هشّ، لأن الإقتصاد الهش ينتج مواطناً هشاً أمام السلطة.

تفكيك سوق الأصوات مصنعاً مصنعاً

من هنا، فإن بناء إقتصاد منتج ليس مشروعاً إقتصادياً بريئاً بالنسبة إلى هذه المنظومة. إنه تفكيك تدريجي لسوق الأصوات. كل مصنع جديد، وكل مزارع يتحول إلى منتج مستقل، وكل شركة تصدّر إلى الخارج، وكل شاب يجد عملاً من دون واسطة، هو مساحة جديدة تخرج من يد الأحزاب الحاكمة.

وهذا تحديداً ما تخشاه منظومة الإنتخابات القائمة على الزبائنية: أن يصبح اللبناني قادراً على اختيار ممثله لأنه مقتنع به، لا لأنه يحتاج إليه. حين يصبح الإنتاج مصدر القوة، يصبح المواطن أقل حاجة إلى الزعيم. وحين تقل الحاجة إلى الزعيم، تبدأ المنظومة التي قامت على شراء الحاجة بفقدان أحد أهم أسلحتها الإنتخابية.

الزراعة بلا صناعة: ثروة تُهدر عند أول محطة

خذوا الزراعة كمثال، لبنان ينتج البطاطا والبندورة والخيار والذرة وغيرها من المحاصيل بكميات مهمة. وتظهر بيانات «إيدال» أن البطاطا والبندورة والخيار من أبرز المحاصيل الزراعية اللبنانية.

لكن أين الصناعات التي يفترض أن تقوم حول هذه الزراعة؟ أين مصانع التعليب؟ أين معامل التجفيف والتجميد؟ أين معامل تحويل الذرة إلى منتجات غذائية وزيوت؟ أين الصناعات التي تستفيد من فائض الإنتاج الزراعي وتحوله إلى سلعة ذات قيمة أعلى؟

المزارع يزرع، ثم يبيع محصوله بسعر متدنٍ، بينما يمكن أن يمر المنتج نفسه عبر مصنع فيتحول إلى منتج معبأ ومعلّب ومسوّق ويُباع بأضعاف قيمته. هنا تحديداً تبدأ فكرة الاقتصاد المنتج.

من القمح إلى الزيتون: نبيع الخام ونشتري الجاهز

الأمر نفسه ينطبق على القمح. لبنان ينتج القمح، لكنه لا يستطيع تغطية حاجاته المحلية، وتبقى واردات الحبوب مرتفعة. وتقدّر منظمة الأغذية والزراعة أن واردات الحبوب المطلوبة للبنان في موسم 2026/2027 ستبلغ نحو 1.3 مليون طن، رغم تحسن الإنتاج المحلي.

ليس المطلوب أن يعيش لبنان في عزلة أو أن يتوقف عن الإستيراد. هذه فكرة غير واقعية. الدول الحديثة تستورد وتصدر. لكن الفرق أن الدولة الطبيعية تستورد ما تحتاج إليه وتنتج ما تستطيع إنتاجه، ثم تصنع قيمة مضافة وتصدرها. أما نحن، فغالباً ما نبيع المادة الأولية ونشتري المنتج النهائي.

ننتج الزيتون ونستطيع إنتاج زيت الزيتون، لكننا لا نملك منظومة صناعية زراعية ضخمة قادرة على تحويل كل محصولنا إلى منتجات غذائية عالمية. ننتج الفواكه، ثم نستورد العصائر والمربيات والمنتجات المصنّعة. ننتج الخضار، بينما تبقى الصناعات المرتبطة بها محدودة مقارنة بالإمكانات.

حتى القطاع الصناعي الموجود أصلاً يثبت أن المشكلة ليست في غياب القدرة اللبنانية. فبحسب «إيدال»، هناك أكثر من 4,700 مؤسسة صناعية، ويشكّل قطاع الصناعات الغذائية جزءاً كبيراً منها.

المستورد أقوى من المنتج: كيف صار هذا ممكناً؟

إذاً المشكلة ليست أن اللبناني لا يستطيع أن يصنع. المشكلة أن النظام الإقتصادي والسياسي لم يبنِ بيئة تجعل الإنتاج أولوية. على مدى عقود، جرى تضخيم إقتصاد الخدمات والوساطة والإستيراد والعقار والمضاربات، بينما بقي المزارع والصناعي يواجهان الكهرباء المرتفعة، وكلفة النقل، وصعوبة التمويل، والضرائب والرسوم، وضعف البنية التحتية، والمنافسة غير المتكافئة مع المستورد.

وهكذا أصبح المستورد أقوى من المنتج. وهذا ليس اقتصاداً منتجاً. هذا اقتصاد يجعل البلد يعيش على حركة الأموال بدلاً من إنتاج الثروة.

المعادلة المطلوبة: من الحقل إلى التصدير

لبنان يحتاج إلى انقلاب في التفكير الاقتصادي، لا إلى مؤتمر جديد وشعارات جديدة. نحتاج إلى سياسة تقول إن الزراعة ليست مهنة للفقراء، بل قطاع إستراتيجي. وإن الصناعة ليست مشروعاً ثانوياً، بل جزء من الأمن الإقتصادي والغذائي. وإن سهل البقاع وعكار والجنوب والشمال يجب أن تكون حولها مصانع ومخازن تبريد ومراكز تعبئة وتصنيع وتوضيب وتصدير.

هذه هي المعادلة التي يجب أن نبدأ منها: المزارع ينتج، المصنع يحوّل، العامل يصنع، التاجر يوزع، والدولة تحمي البيئة الإنتاجية وتفتح الأسواق. عندها فقط يصبح الدولار الذي يدخل لبنان نتيجة إنتاج حقيقي، لا نتيجة بيع عقار أو تحويلات أو إستيراد وإعادة بيع.

لبنان لا يحتاج إلى معجزة اقتصادية، يحتاج فقط إلى أن يتوقف عن التعامل مع أرضه كأنها مجرد مساحة للبناء، ومع مياهه كأنها مورد ضائع، ومع مزارعه كأنها بقايا اقتصاد قديم. وهنا تبدأ معركة الإقتصاد المنتج.

 

إقرأ أيضاً: سقط علي الطاهر… وبقي “الموتورجي”