معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

تلّة علي الطاهر تبخّرت.. والحزب يُحاكم “الشاهد” محمد بركات

المساعدة البصرية: حجم الخط

ليلة العاشر من أيلول، فجّر الاحتلال الإسرائيلي جبلاً لبنانياً بالكامل ووزّع مشهده كما يشاء: تلّة علي الطاهر. فاستسهل البعض محاكمة من كان شاهداً سياسياً، وَصَفَ ما رأى، وحلّل وناقَشَ. وتركوا نائب عن حزب الله زان قرار الردّ الوطني بميزان انتخابات نتنياهو.

 

 

ليلة العاشر من أيلول، لم يكن الغبار الذي ارتفع فوق النبطية الفوقا غبارَ تلّةٍ واحدة.

أكثر من ألفٍ ومئة طنّ من المتفجّرات في مرتفعات عليّ الطاهر. الأرض لبنانية، والكاميرا إسرائيلية، الصوت الذي علّق على المشهد وقدّمه إلى العالم إسرائيليّ أيضاً. هم مَن حفروا، وهم مَن فجّروا، وهم مَن صوّروا، وهم مَن وزّعوا، ثمّ تولّى بنيامين نتنياهو إبراز اللقطة على حسابه كما يُبرز المرشّحُ صورةً في ملصقٍ انتخابيّ، لكنه لم يُطلَق رصاصة.

بعد ذلك، جلس محمد بركات أمام كاميرا الـ”أم تي في” وقال جملةً واحدة: مشهد تفجير عليّ الطاهر الذي وزّعه الإسرائيلي يُعلن نهاية نهاية حزب الله بشكل نهائي. حزب الله عسكرياً كتنظيم انتهى.

اقتُطعت الجملة، ونشرها نتنياهو في منشورين متتاليين، فتردد صداهما في بيروت: عميل، يخدم العدوّ، يمدّ نتنياهو بوقودٍ لحملته. ارتفع الصراخ على مَن قرأ المشهد لكن لم يعلُ على سحب تفجير تلة علي الطاهر.

الحسابُ ذاته نشر مقطعاً آخر، للنائب في كتلة “الوفاء للمقاومة” رائد برو، يقول فيه: قرارنا منردّ ولّا ما منردّ له علاقة بالمصلحة السياسية، بيستمرّ نتنياهو بحكمه ولا لأ.

هذا المقطع لم يُنتج بياناً، ولا سؤالاً، ولا تعليقاً عابراً. مرّ كما تمرّ الريح فوق تلّةٍ لم تعد موجودة.

الفرق بين ردّي الفعلين ليس تفصيلاً عابراً، بل هو دليل على أنّ المعيار المستعمَل ليس معياراً، بل مسدّس.

انتبهوا إلى التسلسل، لأنّه يُقلَب عمداً.

المشهد إسرائيليّ الصنع والتصوير والتوزيع. الجملة الوحيدة اللبنانية في الحكاية كلّها هي جملةُ بركات. وهي جملةُ مَن ينظر إلى ما جرى فيصفه.

من يرى ألفًا ومئة طنّ تُفجَّر في جبلٍ من جبال بلده، ويرى العدوّ يتجوّل هناك على مهله، يدخل الأنفاق، يصوّر، يخرج، يهدم، ويعود ليعرض الشريط، فيستنتج أنّ ما كان قائمًا لم يعد قائمًا.

هذه ليست خدمةً لأحد. هذه معاينة. ومَن لا يعجبه الاستنتاج فليناقش الاستنتاج، وليقل لنا أين الخطأ. أمّا أن يُحاسَب مَن وصف الحريق بدل مَن كان يحرس المستودع، فذلك قلبٌ كامل لجدول المسؤوليّات. صرخةٌ في وجه الشاهد، وصمتٌ أمام الرماد.

مادّة بركات الأولى كانت الدعاية الإسرائيلية نفسها. هو يقرأ شريطاً نشره العدوّ. فإذا صار تحليلُ ما ينشره العدوّ عمالةً، فعلى نصف الإعلام اللبناني أن يُغلق أبوابه، وأبواقه، اليوم قبل الغد، وفي مقدّمته إعلام المقاومة الذي يبني نشراته منذ أربعين سنة على صحف تل أبيب وتصريحات جنرالاتها ومقاطع ناطقها العسكري.

النقل ليس ولاءً. والقراءة ليست تواطؤاً. وإلّا فكلّ مَن فتح شاشةً خائن.

والآن إلى المقطع الثاني. ولنقرأه على مهل، لأنّه يستحقّ.

النائب برو لم يربط قرار الردّ بحماية الناس. ولا بجهوزيةٍ عسكرية. ولا بحسابٍ ميدانيّ. ربطه بالمصلحة السياسية، وجعل من ضمن بنودها سؤالاً واحداً صريحاً: هل يستمرّ نتنياهو في حكمه أم لا؟

أي أنّ قرار الحرب والسلم في هذا البلد، أو جزءاً منه على الأقلّ، يُوزَن بميزانٍ يُصنع في تل أبيب، ويُضبَط على إيقاع صناديق اقتراعٍ ليست صناديقنا.

وسيُقال إنّ المقصود عكس ما يُفهَم: ألّا نقدّم للرجل هديّةً انتخابية بردٍّ يُنعش حملته. حسناً. لنأخذ التفسير كاملاً، وبأحسن نيّة، ولنمضِ معه إلى آخره. ماذا يبقى منه؟

يبقى أنّ نائباً لبنانياً يقرأ الانتخابات الإسرائيلية، ويقيس أثر الفعل اللبناني على حظوظ مرشّحٍ إسرائيليّ، ويبني على ذلك موقفاً. أي أنّه يفعل بالضبط ما يُتّهم بركات بفعله، بل يفعله في الملفّ الأخطر على الإطلاق: ملفّ الردّ.

ومَن يظنّ أنّ “التحليل” يُعفى من المساءلة بخلاف “القرار”، فليتذكّر أنّ كليهما كلامٌ علنيّ موجَّه إلى الرأي العام، وكلاهما يؤثّر في القرار الوطني: الأوّل بقراءة الميدان، والثاني بتحديد شرط الردّ نفسه.

الفرق الوحيد أنّ أحدهما نال براءةً تلقائية، والآخر نال حكماً تلقائياً. والمعيار في الحالتين واحد.

أنا لا أتّهم رائد برو بأنّه خدم نتنياهو لأنّ نتنياهو نشر له. تلك تهمةٌ سخيفة، لا أقبلها عليه كما لا أقبلها على سواه. تهمتي له سياسيةٌ صريحة. فالميزان الذي يزن به قرار الردّ ليس ميزاناً لبنانياً. والمصلحة التي يتحدّث عنها لا تُقاس بما بقي من بيوت الجنوب، ولا بعدد الأسرّة في مستشفيات النبطية، بل بحسابٍ إقليميّ تُرسَم خطوطه في طهران، يُحدَّد فيه موعدُ الردّ وموعدُ الصمت وفق ما تقتضيه لحظةُ الإقليم، لا وفق ما يقتضيه هذا البلد.

أمّا محمد بركات، فقد نظر إلى جبلٍ تبخّر في أرضه، وقال ما رأى.

لو سألنا، بهدوء، أيّ المقطعين أنفعُ للرجل انتخابياً، لما جاء الجواب في مصلحة مَن يخوّنون.

المرشّح الذي يخوض معركته على سجلّه الأمنيّ يحتاج إلى روايتين. يحتاج إلى عدوٍّ مهزومٍ ليقول لناخبيه: أنجزتُ ما وعدتُ به. ويحتاج إلى عدوٍّ حيٍّ يتوعّد ليقول لهم: الخطر لم يُدفَن، ولا تجرّبوا سواي.

والخوف يسوق الناخبين إلى الصناديق أكثر ممّا يسوقهم الاطمئنان.

نتنياهو لا يمنح شهادات، ولا يتبنّى أحداً. هو يجلس في غرفة مونتاج، ويقصّ، ويلصق، واللبنانيون على اختلافهم لاعبون في شريطه، والمصيبة أنّ بعضنا تطوّع في طاقم الإخراج بدل أن يعترض على الفيلم.

التداول ليس فعلاً

لا أحد في هذه الدنيا يختار جمهوره. الصحافيّ يتكلّم إلى شاشةٍ لبنانية ومشاهدين لبنانيين، وما يجري بعد ذلك في فضاءٍ مفتوح خارجٌ عن إرادته تماماً.

لو صحّ أنّ إعادة النشر تنقل الذنب من الناشر إلى صاحب الكلام، لصار العدوّ قادراً على توزيع التهم كما يشتهي: يكفي أن ينشر مقطعاً لخصمٍ يريد إسكاته، ويتكفّل اللبنانيون بالباقي. لا حاجة إلى طائرة، ولا إلى عميل، ولا إلى طنٍّ واحد من المتفجّرات. ضغطة زرّ، وننقضّ على بعضنا.

وهذه ليست فرضيةً نظرية، بل وصفةٌ جاهزة. ومَن يعتمدها اليوم على خصم، ستُعتمد عليه غداً.

هذه القاعدة تُسلّم إلى نتنياهو مقعد رئيس التحرير في بيروت.

خسرنا في عليّ الطاهر جبلاً. فلن نخسر بعده حقّ الكلام عمّا جرى فيه.

فالأرض تُستعاد يوماً، أمّا الأمّة التي تُعوّد نفسها على أن يفرزها عدوّها، فتحتاج إلى أجيالٍ لتستعيد ما فقدته.

خطاب نتنياهو إلى اللبنانيين قائمٌ على فكرةٍ واحدة يكرّرها في كلّ مناسبة: أنتم رهائن، بلدكم مختطَف، ولستم أحراراً في ما تقولون.

وكلّ حملة تخوينٍ تُشنّ على لبنانيّ بسبب رأيٍ أبداه في شأنٍ لبنانيّ هي هديّةٌ مجّانية لتلك الفكرة، ومستندٌ يُشهره غداً ليقول: انظروا ماذا يحصل لمن يفتح فمه في بيروت.

المقطع لم يخدمه. الحملةُ على صاحب المقطع هي التي خدمته.

هذا ليس إنشاءً. فقبل هذه الحملة ، صدر بيانٌ منسوبٌ زوراً إلى عائلة بركات في ربّثلاثين، لنزع الشرعية عنه في بيئته قبل نزعها عنه وطنياً. أي أنّ ما نراه اليوم ليس ردّ فعلٍ على منشورٍ إسرائيليّ، بل حملةٌ كانت قائمة أصلاً، وجدت في المنشور ذريعةً جاهزة.

مَن يجعل بقاء نتنياهو في الحكم بندًا في قرار الردّ، لا يكون مخاطِباً للعدوّ بقدر ما يكون قارئاً لمصلحته.

في زمن الحرب تُصبح المحاسبة والمصارحة واجباً، لا ترفاً. الجيوش الجادّة تفتح تحقيقاتها وهي تحت النار، لا بعد عقدٍ من انتهائها. والبلد الذي لا يستطيع مناقشة سلاحه وحروبه إلّا بالتخوين ليس بلداً محصَّناً، بل بلدٌ فقد القدرة على اتّخاذ أيّ قرار، وسلّم مصيره لمن يملك أن يصرخ أعلى.

والسؤال الذي يبقى بلا جواب في الحالتين: أن يقرّر فريقٌ واحد، خارج الدولة، متى يردّ ومتى لا يردّ، وأن يُدخل في حسابه استمرار رئيس وزراء العدوّ من عدمه، مسألةٌ وطنيةٌ كبرى. ولا يصحّ أن تُحسم بتهمةٍ تُرمى على مَن يتجرّأ على إثارتها.

التخوين في هذا لبنان له تاريخ، وله ضحايا، ونعرف جميعاً أين ينتهي حين يُترك بلا لجام. وقد نبّه أكثر من مسؤول في الأسابيع الأخيرة إلى أنّ الاتّهام بالخيانة والتشهير الشخصيّ يعمّقان الشرخ ويخدمان العدوّ.

فليتفضّل مَن يريد الردّ على محمد بركات بالردّ على ما قال. هل انتهى الحزب عسكرياً كتنظيم أم لم ينتهِ؟ وإذا لم ينتهِ، فكيف نفسّر ألفاً ومئة طنّ من المتفجّرات في مرتفعٍ لبنانيّ من دون ردّ؟ وما البديل؟ وما مصير السلاح؟ وما حدود الدولة؟

هذا نقاشٌ مشروعٌ وضروريّ، ويخوضه اليوم لبنانيون كثر من داخل البيئة نفسها، بأصواتٍ أعلى ممّا يشتهي البعض.

أمّا أن يُستبدَل الجواب بتهمة، وأن يُفوَّض حسابُ نتنياهو بتحديد مَن هو اللبنانيّ الصالح، فتلك ليست مقاومةً لإسرائيل.

إنّها اعترافٌ بأنّها تملك حقّ الفرز بيننا.

 

إقرأ أيضاً: عيسى في الجنوب: واشنطن تراهن على السلطة اللبنانية لا على الانتظار