تتجاوز العدالة السورية اليوم حدود الجغرافيا، إذ تلاحق محاكم أوروبية جرائم ارتُكبت على أرضٍ لم تستطع بعد محاسبة مرتكبيها بشكل كافٍ. فهل يبقى القضاء الأوروبي بديلاً مؤقتاً، أم طريقاً وحيداً نحو الحقيقة؟
لم تكن أوروبا، بالنسبة إلى آلاف السوريين، مجرّد ملاذ من الحرب، بل تحولت مع مرور الوقت إلى ساحة قضائية لملاحقة بعض المسؤولين عن الجرائم المرتكبة في سوريا. ففي ألمانيا وفرنسا والسويد وهولندا والنمسا، باشرت محاكم وطنية النظر في قضايا تتعلّق بالتعذيب والقتل والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، على الرغم من أنّ هذه الجرائم ارتُكبت خارج أراضيها، وأنّ معظم ضحاياها سوريون.
ومع دخول سوريا مرحلة سياسية جديدة، برز سؤال قانوني وسياسي بالغ الأهمية: هل ينبغي أن تستمر المحاكم الأوروبية في ملاحقة الجرائم السورية، أم أنّ القضاء السوري سيستعيد اختصاصه الطبيعي؟ والإجابة تبدأ بفهم مبدأ الاختصاص القضائي العالمي.
الاختصاص العالمي… استثناء تفرضه خطورة الجرائم
يقوم الاختصاص القضائي العالمي على فكرة أنّ بعض الجرائم، كالإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والتعذيب، تمسّ الإنسانية جمعاء، بما يجيز لأي دولة محاكمة مرتكبيها، بصرف النظر عن مكان ارتكاب الجريمة أو جنسية الضحايا أو الجناة.
وقد كرّست اتفاقيات جنيف لعام 1949 مبدأ “الملاحقة أو التسليم”، بينما ألزمت اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984 الدول بمحاكمة المشتبه في ارتكابهم جرائم التعذيب الموجودين على أراضيها إذا لم تقم بتسليمهم. وبذلك، لم يعد انتقال المتهم إلى دولة أخرى وسيلة للإفلات من العقاب.
لماذا أصبحت أوروبا مركزاً للمحاكمات؟
يرجع ذلك إلى ثلاثة أسباب رئيسية.
أولها، أنّ سوريا ليست طرفاً في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، كما تعذّر إحالة الملف السوري إلى المحكمة بسبب الانقسام داخل مجلس الأمن.
وثانيها، أنّ وجود أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين في أوروبا أتاح للسلطات القضائية الوصول إلى الضحايا والشهود والأدلة.
أمّا السبب الثالث، فيتمثل في اعتماد عدد من الدول الأوروبية تشريعات تسمح بمحاكمة الجرائم الدولية الخطيرة، حتى وإن ارتُكبت خارج أراضيها. وقد لعبت ألمانيا دوراً ريادياً في هذا المجال عبر قانون الجرائم المرتكبة ضد القانون الدولي (VStGB)، الذي مكّن القضاء الألماني من ملاحقة مسؤولين سابقين في أجهزة النظام السوري استناداً إلى شهادات الضحايا والأدلة التي جُمعت خلال سنوات النزاع، بدعم من الآلية الدولية المحايدة والمستقلة الخاصّة بسوريا.
محاكمة كوبلنز… بداية مرحلة جديدة
شكّلت محاكمة كوبلنز في ألمانيا نقطة تحوّل في مسار العدالة المتعلقة بسوريا، إذ نظرت محكمة وطنية أوروبية في جرائم تعذيب ارتُكبت داخل مراكز احتجاز سورية، وأصدرت أحكاماً بحق مسؤولين سابقين.
ولم تكمن أهمية هذه المحاكمة في العقوبات الصادرة فحسب، بل في تأكيدها أنّ غياب محكمة دولية مختصّة لا يعني غياب العدالة، وأنّ الأدلة التي يجمعها الضحايا والمنظمات الدولية يمكن أن تتحول، بعد سنوات، إلى ملفات قضائية متكاملة.
وسارت النمسا وهولندا في الاتجاه نفسه، عبر محاكمات استندت إلى مبدأ الاختصاص العالمي بحق متهمين بارتكاب التعذيب وجرائم ضد الإنسانية، بما يؤكد أنّ الحدود الجغرافية لم تعد تحول دون ملاحقة الجرائم الدولية.
هل يتعارض ذلك مع سيادة سوريا؟
من حيث المبدأ، يبقى القضاء السوري صاحب الاختصاص الطبيعي لمحاكمة الجرائم التي ارتُكبت على الأراضي السورية، باعتبار أنّ الاختصاص الإقليمي هو الأصل في القانون الدولي.
غير أنّ الاختصاص العالمي لا ينكر سيادة الدولة، بل يتدخل عندما تكون عاجزة أو غير راغبة في إجراء تحقيقات ومحاكمات حقيقية ومستقلة. ومن هنا، لا ينبغي أن يكون السؤال: هل يحق للمحاكم الأوروبية محاكمة الجرائم السورية؟ بل: هل يمتلك القضاء السوري القدرة والاستقلالية الكافيتين لضمان محاكمات عادلة، تحترم حقوق الضحايا والمتهمين، وتصل إلى جميع المسؤولين دون انتقائية؟
فإذا استطاعت سوريا تحقيق ذلك، سيعود الاختصاص الطبيعي إلى قضائها الوطني، أما إذا بقيت العدالة ناقصة أو مسيّسة، فسيظل القضاء الأوروبي يؤدي دوراً لا يمكن تجاوزه.
الاختصاص العالمي ليس حلاً كاملاً
على الرغم من أهميته، لا يمثل الاختصاص العالمي بديلاً مثالياً عن القضاء الوطني، إذ تعجز المحاكم الأوروبية عن محاكمة جميع المسؤولين، كما تواجه صعوبات في جمع الأدلة والوصول إلى الشهود والمتهمين، فضلاً عن الانتقادات المتعلقة بانتقائية الملاحقات، إذ يمثل أمام القضاء غالباً من يوجد داخل أوروبا، فيما يبقى آخرون بمنأى عن المساءلة لأسباب سياسية أو عملية.
ومع ذلك، تبقى هذه الآلية إحدى أهم الوسائل المتاحة لمنع الإفلات من العقاب إلى حين توافر قضاء وطني قادر على الاضطلاع بهذه المهمة.
هل تعود العدالة إلى سوريا؟
مع بداية المرحلة الانتقالية، أبدت السلطات السورية الجديدة استعداداً للتعاون مع عدد من الدول الأوروبية في التحقيق في جرائم الحرب، من خلال إتاحة الوثائق والشهود والأدلة، بما قد يفتح الباب أمام تعاون قضائي مباشر بين دمشق والعواصم الأوروبية.
غير أنّ نجاح هذا التعاون يبقى رهناً بتوافر قضاء مستقل، وضمانات حقيقية للمحاكمة العادلة، وحماية الشهود، وإبعاد العدالة عن أي توظيف سياسي. فاستعادة سوريا لاختصاصها الطبيعي لا تتحقق بمجرد إعلان النيات، بل بإثبات قدرتها على محاسبة جميع المسؤولين وفق القانون.
خاتمة
نشأ الاختصاص القضائي العالمي في الحالة السورية لسد فراغ خلفه تعذّر اختصاص المحكمة الجنائية الدولية وتعطل مجلس الأمن، فملأت المحاكم الأوروبية جزءاً من هذا الفراغ، وأثبتت أنّ الجرائم الدولية لا تسقط بمرور الزمن ولا تعترف بالحدود.
لكن الهدف النهائي لا يتمثل في بقاء العدالة خارج سوريا، بل في عودتها إلى مؤسساتها الوطنية عندما تصبح قادرة على إجراء محاكمات مستقلة ونزيهة. فالقضاء الأوروبي يستطيع ملاحقة بعض المتهمين، لكنه لا يستطيع إعادة بناء منظومة العدالة السورية.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال: أين يُحاكم مرتكب الجريمة؟ بل: أين يمكن أن تتحقق محاكمة مستقلة وعادلة تكشف الحقيقة، وتنصف الضحايا، وتحاسب المسؤولين؟ فعندما تعجز الدولة، يتدخل القضاء العالمي، وعندما تستعيد قدرتها، تصبح العدالة الوطنية التعبير الأسمى عن سيادتها، لأنّ السيادة في دولة القانون لا تعني حماية الجريمة، بل القدرة على محاسبتها.
إقرأ أيضاً: باسيل يعيد فلول ٨ آذار إلى الواجهة…لإنقاذ الحزب من العزلة