معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

رهانات الثنائي: هكذا أخذت الشيعة من التحرير إلى الهاوية

المساعدة البصرية: حجم الخط

تحرير أرض عام ٢٠٠٠، وانهيار دولة بعده بعقدين..كيف تحوّل مشروع رُفع باسم حماية لبنان والنهوض بالطائفة الشيعية وتحرير الجنوب إلى مسار أنتج أثقل الخسائر على الطائفة والدولة معاً؟

 

 

لم تكن الأزمات التي يعيشها لبنان اليوم وليدة قرار واحد أو لحظة عابرة، بل نتيجة مسار طويل تراكمت خلاله خيارات سياسية وعسكرية واقتصادية أعادت تشكيل الدولة والمجتمع. ومن بين أكثر التجارب التي تحتاج إلى مراجعة نقدية عميقة تجربة الثنائي الشيعي، لا باعتبارها معزولة عن مسؤولية باقي القوى اللبنانية في الانهيار الوطني، بل باعتبارها قوة سياسية وعسكرية امتلكت نفوذاً استثنائياً في صياغة القرار اللبناني خلال أكثر من ثلاثة عقود.

المسألة الأساسية ليست إنكار التضحيات أو تجاهل لحظة التحرير عام ٢٠٠٠، بل طرح سؤال أكثر صعوبة: كيف انتقل مشروع رُفع تحت عنوان حماية الشيعة ورفع الحرمان والتحرير، إلى واقع أنتج خسائر استراتيجية أصابت الدولة اللبنانية والبيئة الاجتماعية التي شكلت حاضنته الأساسية؟

من التهميش إلى الإمساك بالقرار

خرجت حركة أمل في السبعينيات والثمانينيات من رحم قضية الحرمان التاريخي التي عاشتها الطائفة الشيعية، بينما ولد حزب الله في سياق المقاومة المسلحة للاحتلال الإسرائيلي بعد الاجتياح الإسرائيلي عام ١٩٨٢. لكن مسار الطرفين لم يكن خالياً من الصراع، إذ شهدت العلاقة بينهما مواجهات دامية، قبل أن تفرض التحولات الإقليمية، خصوصاً بعد اتفاق الطائف والرعاية السورية، صيغة تقاسم أدوار بينهما.

مع بداية التسعينيات، تكرّس نفوذ شخصيتين محوريتين:

نبيه بري، الذي تولى رئاسة مجلس النواب عام ١٩٩٢، وأصبح لاعباً أساسياً في إدارة التوازنات السياسية والتشريعية، حيث حوّل الموقع النيابي إلى أداة نفوذ طويلة الأمد داخل الدولة.

وحسن نصر الله، الذي تولّى قيادة حزب الله عام ١٩٩٢، وأدار مشروعاً عسكرياً وأمنياً مستقلاً عن المؤسسات الرسمية، بحيث أنّ استمرار السلاح خارج الدولة أدّى إلى نشوء ازدواجية بين سلطة الدولة وسلطة الحزب.

هنا ظهر التناقض الأول: محاولة بناء نفوذ سياسي واجتماعي واسع داخل دولة ضعيفة، مع الحفاظ على قوة عسكرية مستقلّة عن مؤسساتها.

لحظة التحرير التي لم تتحول إلى لحظة دولة

كان عام ٢٠٠٠ محطّة تاريخية كبرى مع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان. وقد شكّل ذلك لحظة كان يمكن أن تُستخدم لإعادة دمج السلاح ضمن استراتيجية وطنية وبناء دولة قوية قادرة على حماية حدودها.

لكنّ الخيار الذي اتُخذ كان الإبقاء على السلاح خارج الدولة، ما جعل قضية المقاومة تنتقل تدريجياً من إجماع واسع حول التحرير إلى نقطة خلاف أساسية حول السيادة وقرار الحرب والسلم.

كان هذا القرار هو بداية التحول من مشروع مقاومة الاحتلال إلى مشروع قوّة داخلية تنافس الدولة نفسها.

من حماية النفوذ إلى تعطيل الدولة

بعد خروج الجيش السوري عام ٢٠٠٥، دخل لبنان مرحلة جديدة من الصراع حول شكل النظام السياسي. وفي هذه المرحلة، بدأ الثنائي باستخدام أدوات سياسية ودستورية لتعطيل خصومه ومنع تغيير موازين القوى.

برز ذلك في إغلاق مجلس النواب لفترات طويلة، وفي أزمة انتخاب رئيس الجمهورية التي امتدت أكثر من عامين، وصولاً إلى أحداث ٧ أيار ٢٠٠٨، حين استخدم حزب الله السلاح في الداخل للمرة الأولى على نطاق واسع منذ انتهاء الحرب الأهلية.

تلك المرحلة كرست قاعدة خطيرة: امتلاك قوة عسكرية قادرة على فرض توازن سياسي عندما تعجز الأدوات الديمقراطية عن تحقيق النتائج المطلوبة.

وكانت نتيجة ذلك، تعميق أزمة المؤسسات وإدخال لبنان في منطق التعطيل المستمر.

من حماية لبنان إلى الارتهان للصراع الإقليمي

شكّل التدخل العسكري لحزب الله في سوريا عام ٢٠١٣ نقطة تحوّل جديدة. فقد خرج الحزب من موقع القوة اللبنانية المرتبطة بملف الجنوب إلى لاعب إقليمي مباشر في صراعات المنطقة.

إنّ هذا الخيار عرّض لبنان لعزلة عربية ودولية، وفتح الباب أمام ضغوط مالية وسياسية انعكست على الاقتصاد الوطني.

في المقابل، يرى الحزب ومؤيدوه أنّ التدخل كان ضرورياً لحماية لبنان من تمدد الجماعات المتطرفة. لكنّ النتيجة العملية كانت أنّ القرار اللبناني أصبح أكثر ارتباطاً بالتوازنات الإقليمية، وأقل قدرة على إنتاج توافق داخلي.

الانهيار المالي واختبار المسؤولية

مع انهيار النظام المالي اللبناني بعد عام ٢٠١٩، ظهرت أسئلة حول مسؤولية القوى السياسية التي حكمت البلاد لعقود.

لا يمكن اختزال الانهيار بالثنائي وحده، إذ شاركت معظم القوى اللبنانية في إدارة نظام المحاصصة والفساد. لكن نفوذ برّي وحزب الله الكبير داخل الدولة جعلهما جزءاً أساسياً من منظومة حماية الوضع القائم، خصوصاً عبر تعطيل بعض مسارات الإصلاح والمحاسبة.

كم وفّر الحزب غطاءاً سياسياً للمنظومة الحاكمة ورفض تفكيكها عندما بدأ الحراك الشعبي يطالب بتغيير جذري.

الحرب الأخيرة وسقوط رهان الردع

بلغ المسار ذروته مع قرار فتح جبهة الجنوب أو “جبهة الإسناد”. وقد أدخل هذا القرار لبنان في مواجهة لم تُتخذ على مستوى الدولة، كما أنّ الحسابات العسكرية التي بنيت على فكرة الردع اصطدمت بتوازنات مختلفة تماماً.

فالنتيجة، كانت تدميراً واسعاً في الجنوب، ونزوحاً كبيراً، وعودة الوجود العسكري الإسرائيلي إلى أجزاء من المنطقة الحدودية، وهذه مفارقة تاريخية مؤلمة: المشروع الذي نشأ تحت شعار تحرير الأرض انتهى إلى واقع يهدد مكتسبات التحرير نفسها.

 عندما يدفع الشيعة الكلفة الأكبر

ربما تكمن أكبر مفارقات هذا المسار في أنّ البيئة التي قُدم المشروع باسم حمايتها كانت الأكثر تعرضاً للكلفة البشرية والاجتماعية.

فقدان آلاف الشباب، تدمير المنازل، تراجع الاقتصاد المحلي، هجرة الكفاءات، وتحول مناطق واسعة من الجنوب إلى ساحات مواجهة، كلها أسئلة تفرض نفسها داخل المجتمع الشيعي نفسه.

وهنا لا يتعلق الأمر فقط بالسياسة، بل بمستقبل مجتمع كامل: هل يمكن حماية طائفة عبر مشروع يؤدي إلى إضعاف اقتصادها، وتراجع فرص شبابها، وربط مستقبلها بخيار عسكري دائم؟

بين الشعار والنتيجة

التاريخ لا يحاكم المشاريع السياسية فقط بما تعلنه من أهداف، بل بما تنتجه على الأرض.

فالشعارات الكبرى، من رفع الحرمان إلى التحرير والحماية، تحتاج في النهاية إلى اختبار النتائج:

هل قويت الدولة أم ضعفت؟

هل أصبح المواطن أكثر أمناً أم أكثر قلقاً؟

هل توسعت فرص التنمية أم تقلصت؟

هل أصبح المجتمع أكثر استقلالاً أم أكثر اعتماداً على شبكات الولاء؟

لم تكن المشكلة في قرار واحد، بل في تراكم خيارات جعلت القيادة أسيرة للدفاع عن مسار سابق مهما ارتفعت كلفته.

فالخسارة الاستراتيجية لا تعني فقط الهزيمة العسكرية، بل اللحظة التي يصبح فيها ثمن استمرار المشروع أكبر من قدرة المجتمع على تحمله.

وهنا تبرز المراجعة الأصعب: أنّ حماية أي جماعة لا يمكن أن تتحقّق على حساب الدولة، وأنّ القوة التي لا تُدمج في مشروع وطني قد تتحول، مع مرور الزمن، من مصدر أمان إلى عبء تاريخي على من حملها.

 

إقرأ أيضاً: “زاير” UK : هل موّلت التبرعات البريطانية الحزب؟